( في رثاء أخي الإنسان محمد يوسف عثمان)
د. حسن محمد دوكه، طوكيو – اليابان
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
"... يَا أَبنوسَ الخَريْفِ الجَنُوبي، كيفَ يَكُونُ جَلالُ الشّهادةِ، إنْ لم تَكُن أنتَ؟
تُوْلدُ في الموتِ، تَكْبُرُ في الموتِ، تَطْلُعُ حَقْلَ نُجُومٍ على حائطِ الموتِ، تُصبحُ أوسمةً من بُرُوقٍ، وعَاصِفةً من غِناءٍ، وغاباً عَظيماً من الرَّقْصِ، أذْهَلْتَني في نِضالِك! ..."
(الشاعر الكوني: محمد مفتاح الفيتوري)
(1)
مثلما تتجمع حُبيباتُ العرقِ على جبينك يا بن يوسفَ وأنت تسعى بين الناس بشهدِ الفكرِ، وعسلِ الثقافة، وحلاوة الحديث، والآسر من التواصل الإنساني الحميم، والمدهش من المُلَحِ، والدَّفاقِ من الأفكار المتتابعة قطرةً فقطرة، وحَبَّة تلو أخرى، على مسبحة نبعكَ الضَّاجِ بحيوات الأولين، والمعاص…


هاشم عبد الفتاح

في احدى مساءات شهر يوليو من العام ١٩٩٧ اتصل علي الاستاذ الصحفي الراحل كمال خشم الموس طيب الله ثراه وطلب مني ان اقابله غدا في شركة دار البلد جوار السفارة الامريكية بشارع علي عبد اللطيف وابلغني بان هناك صحيفة سياسية قيد الصدور تابعة للاستاذ محمد محمد احمد كرار وابلغني كذلك ان  شخصى والاخ الصديق عبد الحميد عوض باننا مطلوبين للعمل في صحيفة الشارع السياسي فالتقينا ثلاثتنا انا والاخ عبد الحميد وكمال صباح اليوم التالي بالراحل كرار بمكتبه بشركة دار البلد وتم الاتفاق علي تفاصيل العمل وبدات التجربة الصحفية بجد واجتهاد وصدر العدد الاول للشارع السياسي في ١١ يوليو ١٩٩٧  كنا تيما واحدا نعمل بنظام تقسيم المهام الصحفية دون الاعتبار للاقسام الادارية فانطلقت الصحيفة قوية في طرحها وفي موضوعاتها فكانت الاقرب الي مزاج المعارضة وقتها كانت الحكومة  تحت وطأة قرارات الحظر والعزل والاحتواء من قبل الامم المتحدة حيث  صدرت معظم هذه القرارات في العام ١٩٩٦. حتى ان بعض قيادات الانقاذ سمت هذا العام بعام القطيعة  وكانت المعارضة السودانية قد تداعت واحتشدت تحت مظلة الخيار العسكري لاسقاط الحكومة غداة صدور قرارات اسمرا الشهيرة في العام ١٩٩٥ كما ان الحكومة السودانية نفسها حاوت كثيرة مداراة خيبتها في محاولة اغتيال الرئيس المصري الاسبق محمد حسني مبارك   في العاصمة الاثيوبية اديس ابابا
في تلك الاجواء كانت صحيفة الشارع السياسي تشكل الصوت والرؤية الاقرب لاطرحات ومزاج الشارع السوداني بكل مكوناته السياسية فالصحيفة كانت قد انتهجت اسلوبا تحريريا فريدا في صياغة الاخبار وملاحقتها بالتقارير والتحليلات والمتابعات فنجحت كثيرا في التعبير عن الواقع السياسي انذاك  والمشهد السوداني عموما وذلك بفضل مثابرة الراحل كرار وبفضل الفرص الكبيرة التي اتاحها لنا كصحفيين في بداياتنا الاولى وحملنا مسوؤليات تحريرية كبيرة وصلت حد ان نتولى مهمة كتابة افتتاحية الصحيفة بالتناوب من قبل التيم الصحفي العامل بالصحيفة فكان كل واحد منا يمثل رئيس تحرير بحاله ولذلك فان الذين عملوا مع الراحل كرار في تلك الفترة يدركون تماما هذه الحقيقة
كان الراحل كرار يمتاز بالشجاعة ومواجهة اصحاب السلطات وبالدقة وبالوضوح والصراحة ..كان شرسا في الدفاع عن رؤيته وعن قضايا النشر والحريات ولى معه في ذلك  عدة مواقف ومحاكم وبلاغات  ولكنه كان مساندا ومناصرا لكل الصحفيين الذين عملوا بصحيفته مهما كانت مستوياتهم الوظيفية  بل بكل مطبوعات شركة دار البلد هذه الوضعية انعكست ايجابا في القدرات التحريرية الكبيرة التي يتمتع بها كل الذين تخرجوا من مدرسة محمد احمد كرار الصحفية فهؤلاء كثر تفرقت بهم مسارات العمل الصحفي ولكننا لا ننسى الاستاذ كرار ونسال الله له الرحمة والمغفرة ويحسن اليه


بقلم: محمود الشين
 تصنف المجموعات السكانية في جنوب السودان ضمن الشعوب الأصيلة ذات الإرث والتاريخ العريق. وهي شعوب ذات خصوصية إجتماعية وثقافية وحق لها أن تفخر بذلك.
وحين أفتقدت إستيعاب تلك الخصوصية عبرت عن ذاتها بمختلف الأدوات ، الوسائل والأساليب. فمن- السودان - نقض العهود والمواثيق للقانوني الضليع أبيل ألير ، إلي (بذرة الخلاص ، (صراع الروي) حيث ما أسماه المقاومة والاستيعاب وهو منتج قيم للمفكر الدكتور فرنسييس دينق مجوك وفي البال الحراك السلمي لنخب جنوب السودان علي مستوي البرلمانات والأحزاب السياسية ، وحين فاض الكيل برزت حركات التمرد المعروفة وآخرها الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الزعيم الدكتور جون قرنق دمبيور الرجل الذي أغتيل في ظروف غامضة وترك مشروع السلام الناقص.
وفي غياب المفكر قرنق إكتمل ما يمكن تسميته (بالإتفاق الجنائي) بين الحزبين الحاكمين - المؤتمر الوطني في الشمال والحركة الشعبية في الجنوب وغيبت الأغلبية العظمي بين شطري البلاد.
وها قد أصبح الجنوب الذي نحبة دولة كاملة السيادة وهو أمر نحترمه علي أية حال - صدقوني وبعد هذه السنوات أحن إلي صديقي منقو في يامبيو وإلي العشرات من
أصدقائي المخلصين في الجنوب الحبيب وسحره الذي أنشد له مبارك المغربي بالحروف الغوالي.
نحن جيل سيء الحظ - عشنا لحظات الإنشطار المؤلم في عتمة الشمولية ولا إعتراض علي حكم (النبلاء)!
وحين نستدعي ماضينا كثير التصدعات ندرك حجم الفواجع المقيمة ، وصحف الطائفية وقادتها يصفون ثوار 1924م بألفاظ قاسية (بئس الأمة التي يدافع عنها أمثال علي عبداللطيف) وغيره مما لا يقال!
ونحن نغني للمجد (وحين إستشهد في مدفعه عبدالفضيل) ، ومع ذلك لا يشفع لأحفادهم الحصول علي (جنسيتنا) التي منحت للأجانب من جنس ولون ، لكنها أضحت عصية علي شركاء النضال الذين قاتلوا وبشرف في صفوف قواتنا المسلحة بمختلف مسمياتها..
نعم هو بحق نقض العهود والمواثيق في رحلة البحث عن هويتنا المستلبة بأمر السلطة والسلطان.
وتمتد المساهمات المشرقة إلي رحاب الآداب والفنون والرياضة والعمل والإنتاج والفكر والعلم ، غير أن عين السخط كعادتها تبحث عن المخازي والسوء في بلاد ما ضاقت بأهلها.
إن أكبر خطيئة لنظام الإنقاذ السابق من بعد حروب الإبادة - هو فصل الجنوب وأي قوم هؤلاء لا تجود عبقريتهم إلا بالبتر - وأي جزء أضاعوا ، إنه نصفنا الحلو (الجنوب العزبز).
ولم تظلمهم شاعرتهم الوزيرة روضة الحاج إنهم (يسرقون الكحل من عين القصيدة).
والانقاذ تذكرني (أم برخيل) وهي إحدي الطيور التي لا تتقن بناء عشها وتضعه بإهمال علي الأغصان الضعيفة المائلة نحو الأرض ، حتي إذا ما هبت الريح يسقط العش بما فيه من بيض واجنة ، وتضحك هي من أعماقها علي خراب بيتها! ولهذا سميت (خنباء الطيور) وكذلك هم يفعلون.
ولأني جنوبي الهوي وافتخر - قال لي صغيري منهج - يا أبوي ما دمت بتحب الجنوب ، ليه ما نقضي إجازتنا الجاية في مريدي؟
كان سؤالاً صادما - قلت له نعم ولكن بتأشيرة دخول وجوازات سفر.
لقد إقتسم دعاة الإنفصال كل شيء - لكن ثم ماذا عن تاريخنا المشترك؟..الخط معكم ؟!

الخرطوم:حسين سعد

تناقش هذه الحلقة تجارب الانتقال السابقة من حيث فترتها الزمنية ؟وتحدياتها؟وقضاياها؟وكيف تم تجاوزها ؟وماهي انتكاساتها ؟وفشلها؟ ولماذا تمسكت الحرية والتغيير بفترة أطول حددتها بأربع سنوات ؟ثم قبلت بفترة ثلاث سنوات؟ وفي نقاشات مع الاستاذ محجوب محمد صالح رئيس بشأن الانتقال والتجارب السابقة قال لي ان فترة الانتقال الاولي أعقبت الحكم الثنائي المصري في مارس 1953م ،والتي حددت فترتها الانتقالية بثلاثة سنوات وكان مطلوب منها تحقيق الاتي:سودنة الوظائف الحكومية العليا وتنظيم جلاء الجيوش الاجنبية ،وخلال عامان تم إستكمال الواجبات ،في ذات الوقت شهدت تلك الفترة إنفجارات أمنية كبيرة ممثلة في أحداث مارس 1954م وأحداث حامية توريت في أغسطس 1955م ،وتعتبر تلك الفترة من أنجح الفترات الانتقالية بالرغم من انها واجهت أزمات أمنية حيث تم تجاوز تلك التحديات، ويعود السبب في ذلك الي ان عمر الفترة الانتقالية كان مناسبا والاهداف محددة  بجانب التعاون الكبير بين الاطراف والذي بفضله تحققت الاهداف والمطلوبات.

ثورة أكتوبر:

قال صالح ان فترة الانتقال الثانية كانت عقب ثورة أكتوبر 1964م التي أطاحت بنظام عبود ،ومن عيوب هذه الفترة ان عمرها كان قصيرا جدا (ستة أشهر) فقط حيث تكونت الحكومة في نهاية أكتوبر 1964م بينما جرت الانتخابات في أبريل من ذات العام ،ومن سلبيات هذه الفترة بجانب قصر عمرها هو عدم تعاون الاطراف التي تدير الفترة الانتقالية وهنا نقصد جبهة الهيئات التي قادت الانتفاضة والاحزاب السياسية التي كان دورها ضعيف حيث كان ميزان القوي لصالح المهنيين هذه الوضعية خلقت تناقض بين الحداثة والتقليدية لذلك شهدت الفترة الانتقالية مصادمات واسعة تجلت في حل  الحكومة واعادة تشكيلها مرة أخري ونلاحظ ان المهنيين كان لهم في الحكومة الاولي ثمانية وزارات من ضمن ضمن 15 وزارة،ونال كل حزب من الاحزاب الخمسة علي وزارة واحدة فقط، والاحزاب الجنوبية وزارتان ،وفي الحكومة الثانية نال المهنيين وزارة واحدة فقط.أما فترة الانتقال الثالثة فقد كانت عقب ثورة مارس أبريل التي أطاحت بنظام نميري كان عبد الرحمن سوارالذهب رافضا للاطاحة بالنظام بحجة القسم العسكري،ومن عيوب هذه الفترة هو قصر عمرها البالغ عام واحد،كما انها واجهت حرب الجنوب، ولم تفلح في التواصل مع قيادة الحركة الشعبية وإاحاقها بركب السلام وتأييد الثورة، ومن الملاحظة الثانية والمهمة هي الجبهة الاسلامية استمالت سوار الذهب الي صفها وهذه الوضعية تفسرها تعيين سوار الذهب رئيسا لمنظمة الدعوة الاسلامية، اما الفترة الانتقالية الرابعة، والحالية انها جاءت بعد ثورة واحتجاجات طويلة صمدت نحو خمسة أشهر سقط خلالها المئات من الشهداء، واصابات المئات بجراح مختلفة بعضها قاتلة بجانب اعتقال الالاف من الناشطيين والسياسيين والصحفيين والمهنيين ،ومن تحديات هذه الفترة انها اعقبت نظام عمره 30 عاما له فترة طويلة في الحكم ودولة عميقة وموازية تسببت في اشعال الكثير من الفتن والحروب بكل من جنوب كردفان والنيل الازرق ودارفور واشعال الخلافات في مناطق السدود وتدمير الاقتصاد السوداني والمشاريع الزراعية،فضلا عن تركها لميراث كبير من الخراب والدمار طال كل شي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية،وتمدد الفساد وخطاب الكراهية الذي خلق مرارات واسعة تحتاج الي تضميد الجراح، وعقد مصالحة وطنية تحتاج الي عدالة انتقالية لذلك كان من الانسب الاتفاق علي فترة انتقالية مدتها علي الاقل اربع سنوات لمعالجة هذه التركة الكبيرة من الخراب التي احدثها النظام البائد.

الوحدة في التنوع:

وفي دراسة له بعنوان :تجربة الإنتقال الديمقراطي في العالم العربي (الحالة السودانية مثالا) كتب مهدي إسماعيل مهدي عُثمان: ان نظام عبود نسج (1958-1964) على منوال النُظُم العسكرية الرائج سوقها آنذاك، فرفع شعارات التنمية لجذب الجماهير التواقة للتطور والعدالة الإجتماعية بعد أن تحقق لها التحرر السياسي (الإستقلال) ولكن وبعد ستة سنوات من الحُكم العسكري، وكبت الحُريات، تأكد للشعب أنه فقد حُريته ولم يحصل على التنمية الموعودة، وبلغت الأزمة السياسية ذروتها في النصف الثاني من عام 1964م من المُلاحظ إتسام تاريخ السودان الثقافي والإجتماعي بثُنائيات عرقية ودينية وثقافية ولغوية، بينما أتسم تاريخه السياسي بثُنائية عبثية بين حكومات عسكرية (يتطاول أمدها من حُكم عسكري لآخر) وحكومات مدنية قصيرة العُمر، وقد ظلت هذه الثُنائيات تُشكل أرضاً خصبةً للإستقطاب المُفضي للتمزق والتدمير والإنشطار، مع أن ذات هذه الثُنائيات قد تكون مصدر ثراء إذا اُحسن إستغلالها، ولكن يبدو أن هذا الأمل النبيل (الوحدة مع التنوع) سوف يظل عسير المنال حتى إشعار آخر، إذ يقف إنفصال جنوب السودان والثورات المُشتعلة حالياً في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، دليلاً دامغاً على فشل السودانيين في التعايش السلمي والتراضي على دولة ترتكز على المواطنة والعدالة والمساواة، هذا، وتُعد إنتفاضة 21 أكتوبر 1964، أول هبَة شعبية سلمية في العالمين العربي والإفريقي تُطيح  بنظام حُكم عسكري ديكتاتوري، وتفلح في إقامة نظام برلماني ديمقراطي ليحل محله.
يُقدم الأستاذ الجامعي والباحث الأكاديمي د. جعفر كرار أحمد، في الباب الثاني (الفصل الثاني) من كتابه (الربيع العربي، عود إلى بدء- التجربة السودانية)، تلخيصاً لمشهد إنتفاضة أكتوبر السودانية المجيدة، فيقول (وهكذا وبدخول العُمال والمُزارعين رسمياً وعملياً في حركة الإضراب السياسي العام في يوم 26 أكتوبر 1964، شُلت جميع أجهزة الدولة، وكان القُضاة والمحامون وأساتذة جامعة الخرطوم والأطباء والمدرسون والطُلاب قد بدأوا منذ 24/10/1964 في تنفيذ الإضراب)؛ ثُم يسترسل (وملأت مواكب الغضب السودان مرة أُخرى، واتسعت حركة العصيان المدني وأخيراً استجابت الحكومة العسكرية وشكلت حكومة أكتوبر الإنتقالية الأولى التي ضمت مُمثلاً لكُل من؛ حزب الأُمة والحزب الوطني الإتحادي وحزب الشعب الديمقراطي وجبهة الميثاق الإسلامي والحزب الشيوعي، كما ضمت سبعة وزراء يمثلون النقابات والمنظمات المهنية ووزيرين من جنوب السودان، واهتدت الحكومة الإنتقالية بميثاق من سبعة بنود وافقت عليه القوى السياسية، ويقوم هذا الميثاق على؛ تصفية الحُكم العسكري وإطلاق الحُريات العامة ورفع حالة الطوارئ وإلغاء جميع القوانين المُقيدة للحُريات وتأمين إستقلال القضاء وإستقلال الجامعة وإطلاق سراح كافة المُعتقلين والمسجونين في قضايا سياسية، وأن تلتزم الحكومة الإنتقالية بإنتهاج سياسة خارجية مُعادية للإستعمار) 
أسباب إجهاض ثورة 21 أكتوبر 1964
أدى نجاح إنتفاضة 21 أكتوبر 1964، إلى تشكيل حكومة قومية إنتقالية لمُدة عام برئاسة السيد/ سر الختم الخليفة، وقامت حكومة سرالختم بإجراء إنتخابات لإختيار جمعية تأسيسية أُنيط بها وضع دستور دائم للبلاد- إذ كانت الحكومات التي تلت الإستقلال تعمل بدستور 1956 المُعدل عام 1964- ولعله لا تفوت على فطنة القارئ والمُراقب لأحداث الربيع العربي، أن الثورات العربية تقتفي أثر إنتفاضة أكتوبر السودانية- التي تفجرت قبل خمسة عقود ،ظل الحزبان الكبيران (الأُمة والإتحادي) في تشاكُس دائم رغم إئتلافهما أكثر من مرة بعد نجاح إنتفاضة أكتوبر، وفي لحظة فارقة في تاريخ السودان رضخ الحزبان لضغوط ومؤامرات جبهة الميثاق الإسلامي فأعلنا حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه المُنتخبين من البرلمان (11 نائباً من دوائر الخريجين الخمسة عشرة، والتي تُمثل الصفوة المُتعلمة)، ونتيجة للتخبط السياسي والفشل الإقتصادي، أعلن العقيد/ جعفر نميري إنقلابه، يُمكن إيجاز أسباب فشل إنتفاضة أكتوبر 1964، وعجزها عن إحداث تحول ديمقراطي حقيقي، في العوامل التالية:
(1)إفتقاد الأحزاب التقليدية الكبيرة التي تولت زمام الحُكم بعد الهبة الشعبية، للمُمارسة الديمقراطية في داخلها، وفاقد الشئ لا يُعطيه (يُرجى مُلاحظة تسليم حزب الأُمة بزعامة رئيس الوزراء ووزير الدفاع/ عبد الله خليل، الحُكم للفريق عبود في عملية تسليم وتسلم لمجرد إحتمال سحب الثقة من حكومته، ومُشاركة عناصر الحزبين الكبيرين في كافة الحكومات الشمولية)
(2)عدم قناعة الأحزاب العقائدية الصغيرة بالديمقراطية الليبرالية، وتلهفها لإستلام السُلطة بأقصر السبُل (وقد فعلت ذلك؛ حين أنقلب اليساريون على الديمُقراطية الثانية في مايو 1969، بينما انقلب الإسلاميون على الديمقراطية الثالثة في يونيو 1989) 
(3)غياب أي رؤية تنموية للأحزاب التي تولت الحُكم بعد ثورة أكتوبر، إذ لم يكُن لها برنامج واضح للتغيير والتنمية، فأضحى البقاء في الحُكم هو غاية مُرادها ولم تعرف البلاد خُططاً إقتصادية واضحة المعالم أو منهجاً مُحدداً للتنمية، وقد اعتمدت الحكومات الحزبية على التجريب الذي يُصيب حيناً ويخيب في غالب الأحيان، وفي هذا تتشابه جميع الأنظمة التي تعاقبت على حُكم السودان، عسكرية أم مدنية– ورُبما لهذا السبب دون غيره لا تزال البلاد تدور في حلقة مُفرغة.
(4)بالرغم من تفجُر إنتفاضة أكتوبر 1964، في مناخ إقليمي تحررُي، حيث كانت حركات التحرر الوطني في إفريقيا تشتعل وتُحرز إنتصارات مُتلاحقة، إلا أن هذه الفترة تأثرت سلباً بشيوع ظاهرة الإنقلابات العسكرية في الدول التي نالت إٍستقلالها حديثاً، ولعل حكومة ما بعد أكتوبر 1964 بالسودان كانت هي الحكومة الديمقراطية الوحيدة في العالمين العربي والإفريقي.  
(5)من الأسباب المُباشرة التي قادت لإنقلاب 25 مايو 1969، حل الحزب الشيوعي، ولقد كان قرار حل الحزب الشيوعي عام 1967، تجسيداً عملياً لعدم إيمان الأحزاب التقليدية بالديمقراطية، كما كان رفضها لقرار المحكمة الدستورية العُليا (القاضي بعدم دستورية حل الحزب الشيوعي) تأكيداً عملياً على عدم ديمقراطيتها، كما أكد أيضاً على إستهانتها بالمبادئ الأساسية التي تقوم عليها الديمقراطية الليبرالية، ألا وهي؛ الفصل بين السُلطات، واستقلال القضاء واحترام قراراته.
قيام إنتفاضة أبريل 1985
بلغ نظام جعفر نميري درجة من التخبط والفساد لم تنفع معها محاولات اللواذ بالشعارات الدينية وإعلان قوانين الشريعة الإسلامية في سبتمبر 1983 وقد بلغت غلواء الهوس الديني ذروتها بإغتيال الشيخ الثمانيني (الذي يجادل بالتي هي أحسن) الأستاذ/ محمود محمد طه (مؤسس وواضع لبنات الفكر الجمهوري). وعندما اشتد الكبت والإستبداد تداعت النقابات العُمالية - وليس الأحزاب السياسية التي أمسى جُل قادتها من أركان نظام النميري- وتصدت للنظام المحمي بجهاز أمن باطش وتحالفات دولية وإقليمية لم تنفع النظام شيئاً عندما أزفت الآزفة، فعمَت المسيرات الإحتجاجية البلاد من أقصاها إلى أدناها وأُعلن العصيان المدني، وانحاز صغار الضُباط وضُباط الصف والجنود إلى جانب الشعب، فسارع كبار قادة القوات المُسلحة بقيادة وزير دفاع النميري، المشير/ عبد الرحمن سوار الدهب، إلى إستلام السُلطة وإعلان المجلس العسكري حاكماً إنتقالياً للبلاد، مما حدا بقائد الحركة الشعبية د. جون قرنق، إلى وصف الحُكم الجديد بــ مايو الثانية!! (وأثبتت الأحداث لاحقاً، أنه زرقاء يمامة السودان!!) 
أسباب إجهاض إنتفاضة أبريل 1985
ومضي مهدي بقوله :لقد كانت إنتفاضة الجماهير في مارس/أبريل فعلاً ثورياً حقيقياً، ولكن من الخطل وصفها بالثورة، إذ أنها ومع تمكنها من إسقاط نظام الحُكم القائم إلا أنها فشلت في تحقيق أي تغيير حقيقي في بُنية الحُكم وتوجهاته، فعادت الأمور إلى ما كانت عليه بذات السياسات مع تغيير الشخوص والأوجه لاغير، فالثورة عملية تغيير طويلة الأمد تحتاج إلى نفَس طويل ورؤية واضحة وخارطة طريق لإنجاز عملية التحول الديمقراطي الحقيقي والتنمية العادلة المُستدامة (كما أسلفنا) لقد ذكرنا في صدر هذا المبحث خمسة أسباب أدت لفشل إنتفاضة أكتوبر 1964، وهي ذات الأسباب التي أدت لإجهاض إنتفاضة أبريل 1985، ونضيف إليها:- 
(1)عدم مُشاركة الحركة الشعبية لتحرير السودان- التي حملت السلاح ضد حُكم النميري- في النظام البرلماني الذي انبثق عن إنتفاضة أبريل. وبغض النظر عن مدى صوابية أو خطل موقفها، فإن عدم المُشاركة قاد إلى إضعاف النظام البرلماني وسهل عملية إنقضاض الإسلاميين عليه، إذ يرى بعض المُحللين أن إنقلاب يونيو 1989 (بقيادة العميد/ عُمر البشير)، ما كان ليتم بالسهولة التي تم بها لو أن جيش الحركة الشعبية كان مُستوعباً في الجيش القومي.
(2)ويُضاف إلى ما تقدم؛ ضعف القوى الحديثة بعد الضربة الهائلة التي وجهها نظام/ جعفر نميري، للقوى الحديثة مُمثلةً في النقابات العُمالية والحزب الشيوعي، الذي نال النصيب الأكبر من التصفية الجسدية والمُلاحقة والحظر، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل إمتد القمع والإرهاب ليشمل كافة القوى الديمقراطية والليبرالية بعد إعلان قوانين الشريعة الإسلامية (1983)
أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة:

 يقول بروفيسور/ عطا الحسن البطحاني، في كتابه (أزمة الحُكم في السودان- أزمة هيمنة أم هيمنة أزمة؟!)؛ الفصل التاسع بعنوان "الفترات الإنتقالية في السودان: إلى أين؟ 
شهد السودان العديد من فترات الحُكم الإنتقالية، ففي الفترة الإنتقالية الأولى (1953-1956) إنتقلت السُلطة من الإستعمار الثُنائي إلى حكومة وطنية أعلنت إستقلال البلاد، وفي الفترة الإنتقالية الثانية (1964-1969) تمكن تحالف سياسي/نقابي من إسقاط النظام العسكري الأول (1958-1964) وإقامة نظام برلماني (1964-1969) ما لبث أعواماً قليلة حتى تمت إزاحته بواسطة النظام العسكري الثاني الذي حكم لمُدة ستة عشر عاماً (1969-1985)، وجاء الإنتقال الديمقراطي الثالث عام 1985 ليُعيد التحالف السياسي/النقابي العريض التجربة السابقة ويتمكن عبر إنتفاضة شعبية من إسقاط النظام المايوي، ولم تُكمل الحكومة البرلمانية المُنتخبة دورتها حتى أجهز عليها إنقلاب عسكري في 30/يونيو/1989 من تدبير حزب الجبهة القومية الإسلامية التي حكمت تحت مُسمى نظام الإنقاذ، ثُم يسترسل البروفيسور/ البطحاني فيقول إن الطبيعة البنيوية للأزمة السياسية في السودان وتأرجح ميزان القوى المُصاحب للفترات الإنتقالية، ساهمت مع عوامل أُخرى، في فشل فترات الإنتقال وعجز الحكومات الديمقراطية عن تحقيق المهام المطروحة والمنوط بأنظمة الإنتقال تحقيقها (وحدة الوطن، الدولة المدنية العصرية، التنمية الإقتصادية) فتؤجل المهام لفترات قادمة. وتزداد مهام الإنتقال صعوبةً بقيام الأنظمة العسكرية بتصفية القوى الوطنية والديمقراطية في كُل مرة تعتلي فيها كراسي السُلطة، حيث يبز كُل نظام عسكري في هذا المجال من سبقوه، فيتآكل الرصيد التراكُمي لــ (الديمقراطية والثقافة المدنية) وبالتالي تتعاظم المهام وتقصر القامة، وكأننا نتقدم إلى الخلف، فقد قفزت مهام مرحلة الإنتقال الأولى (1953-1956) لتتصدر مهام مرحلة الإنتقال الحالية (وحدة الوطن، الدولة المدنية العصرية، التنمية الإقتصادية)  
طريق المُستقبل وكيفية تعزيز عملية الإنتقال الديمقراطي

نجحت إنتفاضات الربيع العربي في إنجاز الجُزء الأسهل من عملية التغيير، إذ تمكنت من إسقاط الأنظمة الإستبدادية الحاكمة (كما فعلت إنتفاضتا السودان) ولكي تستحق صفة الثورة، عليها إنجاز الجُزء الأصعب من عملية التغيير، ولن يحدث ذلك إلا بالتقيد الصارم بالمبادئ والأُسس التالية: 
(1)سيادة حُكم القانون والنظام والمساواة التامة بين المواطنين وإعتماد مبدأ المواطنة المتساوية وإنزال مقولة "مواطنون لا رعايا" إلى أرض الواقع
(2)الفصل التام بين السُلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، وإحترام المؤسسية، وخاصة القضاء (العدل أُس الحُكم) – كما فعلت جنوب إفريقيا.
بما أن التنمية البشرية وتلبية إحتياجات المواطنين المادية وإشباع إحتياجاتهم الروحية، وإحترام كرامتهم الإنسانية، هي مناط ومُبتغى أي رؤية أو فكر أو عقيدة دينية أو غير دينية، وبما أنه إتضح أنه لا يُمكن تحقيق هذه الأهداف النبيلة إلا في بيئة آمنة ومُجتمع مُستقر تتساوى فيه الحقوق والواجبات، فلا بُد من تحقيق العدالة بإعتبارها شرطاً لازما ومُسبقاً للسلام والإستقرار، وفي هذا لا داعي لإعادة إكتشاف العجلة، فتجربة جنوب إفريقيا (والمغرب) في العدالة الإنتقالية تقف نموذجاً ساطعاً إستطاع تضميد الجراحات التي أحدثها أسوأ نظام حُكم عرفته البشرية في تاريخها الطويل (نظام التمييز العُنصري). هذا مع العلم أن العدالة الإنتقالية لا تعني أبداً عفا الله عن ما سلف ،نشر وتعميق ثقافة الديمقراطية عبر تعزيز نشاطات منظمات المُجتمع المدني وتفعيل دورها، ودعم (وعدم تعويق) النشاط السياسي والفكري في الجامعات، والمعاهد العُليا والمدارس الثانوية، وتضمين مواثيق حقوق الإنسان والديمقراطية والحوكمة الرشيدة وحماية البيئة والمساواة بين الجنسين في مناهج التربية الوطنية، بإعتبار ذلك من أكثر الوسائل والآليات فعالية في بث الوعي والإستنارة والثقافة الديمقراطية.
سودان جديد

   أما عن إنجاز وإستدامة التحول الديمقراطي في السودان فيوجز د. منصور خالد؛ في كتابه؛ النُخبة السودانية وإدمان الفشل – الجُزء الثاني خارطة طريق للخروج من النفق المُظلم الذي ظل يقبع فيه السودان منذ الإستقلال وحتى الآن؛ إذ يقول:
(السودان قُطر فُسيفسائي- تتنوع أصول أهله وأعراقهم ودياناتهم ولُغاهُم- وهذا السودان القديم هو الأساس المتين لبناء السودان الجديد، على أن هذا البناء لا يتم إلا بتواصل الحوار بين كُل أقوام السودان دون أي إمتياز أو تمييز، كما أن هذا الحوار لا يتأتى إلا في جو من الديمقراطية السخية القائمة على نفي كل ضروب الإرهاب الفكري بإسم الدين أو أي مُعتقد وضعي، وإشاعة الديمقراطية في مؤسسات المُجتمع المدني – لأن المؤسسات التي تفتقد الديمقراطية الداخلية لا تقوى على الدفاع عنها، وأخيراً الإنضباط الذاتي "أي المصداقية"- بمعنى تحكيم المسئولية في كُل الممارسات السياسية والنقابية.(يتبع)


 الخرطوم:حسين سعد

تواصل هذه الحلقة تتبع خطى التحولات السياسية في كثير من التجارب الدولية لعملية التحول الديمقراطي في السودان عقب الثورة التي أطاحت بالنظام البائد ،وفحص العوامل المتداخلة ،والفاعلة مباشرة في هذا التحول، وتتبع خطى التحول ذاته من خلال عرض شامل للأطر النظرية والمداخل والإقترابات التي يمكن من خلالها تناول الظاهرة لتغطية أبعادها، ومستوياتها، تعريفًا وتحليلاً وتأريخاً لماضي تلك التحولات الأساسية التي تركت بصماتها على واقع المجتمع، وتطور نظامه السياسي لترسخ نظريات، وتفسر ظواهر الانتقال الديمقراطي، والتزاماته، وإنجازاته، ووعوده بشكل عام من خلال فكفكت الفاعليين الرئيسيين ومن هم؟ وماهي السياقات التفسيرية؟ والخبرات التاريخية ،وسنتابع في هذا المقال نمازج للانتقال الديمقراطي ،وما هي الأكثر قربا من الحالة السودانية؟ وماهي فرص التغيير؟

التحول بين الواقع والضرورات:

إن خيارات التحول في السودان، تتطلب مراجعة تجربته الديموقراطية السابقة، والتي يصفها البعض بالفاشلة،واستقراء الوضع الداخلي ،والوضع الإقليمي من جهة أخرى ،باعتبار ان تفاعل هذه الظروف قد يكون متصلا، وقد يكون منفصلا ،وقد يكون تفاعلا ذاتيا، وقد يكون تفاعلا عرضي، هناك عوامل مؤثرة في التحول الديمقراطي تلعب دور محوري ،ومن أهم هذه العوامل العامل الاقتصادي كمؤشر على اقتصاديات الدولة، ومدى تحكم السلطة بها، وانعكاسه على الدخل الفردي، ومؤشرات التنمية البشرية ، ومستوى الانتاج العلمي الذي يعكس مدى مكافحة السلطة للأمية، واهتمامها بعملية التربية والتعليم،إضافة لمؤثرات أخرى بجانب الخيارات السياسية المحورية التي قامت بطرحها الجهات الفاعلة المحلية أثناء عملية التحول،بما في ذلك القرارات التي تم اتخاذها المتعلقة بخضوع السلطات المسلحة للسلطة المدنية،والانتخابات ووضع الدستور، والعدالة الانتقالية،وتماسك الدولة والمجتمع ،والحدود الغير مستقرة،والخيارات السياسية الخارجية بما في ذلك الجهود المبذولة من الجهات الخارجية الفاعلة لترسيخ دعائم الديموقراطية.

الأنظمة الشبه سلطوية:
وفي دراسة لمركز كارينجي للشرق الأوسط يذكر ناثان ج براون آنه ليس واضحا حتى الآن بعد انفتاح فضاء التعبير، والعمل رغم وجود حدود قاسية له إلى أي مدى يمكن للإصلاحيين والثوريين المحتملين ، بالرغم من جهودهم الشجاعة والمقدامة، أن يتغلبوا على الأنماط المؤسسية العميقة للحكومة.إذ لا تزال معظم الأنظمة العربية تقطن منزل هجين من شبه السلطوية : فلا هو سلطوي بالكامل،في إطار القسوة التي يتضمنها هذا التعبير الأخير،ولا هو ديموقراطي ذو معنى، ومضمون يسمحان للشعب اختيار حكامه،فالأنظمة الشبه سلطوية هي تلك الأنظمة التي تسمح للمعارضة ببعض الحيز لتنظيم نفسها، والتنافس ، لكنها تنكر عليها أي إمكانية لتشكيل الحكومة ، بينما الأنظمة السلطوية بالكامل لا تسمح للمعارضة بالعمل حتى وفق هذه القواعد، وفي ظل الشبه سلطوية ، قد تبرز المنظمات الاجتماعية المستقلة بل وحتى تزدهر، لكن من غير المسموح لها أن تخطو بعيدا نحو مملكة السياسة من دون المخاطرة بالتعرض إلى القمع فالمعارضة لا تستطيع أن تتكلم،وتنظم أو تعمل في المجال السياسي، أما الديموقراطية في المقابل ،فهي تسمح للمعارضة بالفوز ،فالإنظمة الشبه سلطوية هي منطقة رمادية اخترعت بهدف تصنيف هذه الأنظمة على أنها مستقرة أكثر من كونها محطات على طريق الديموقراطية وفق ناثان ج براون،لذلك كانت الانتخابات بالنسبة للأنظمة الشبه سلطوية هي شعارات سياسية تستطيع من خلالها استقطاب التفاف جماهيري حولها في مهرجان الانتخابات المعروفة النتائج مسبقا، والنموزج في السودان انتخابات 2010 م وابريل 2015م ،تلك الانتخابات المضروبة والتي وصفها الشعب بإنتخابات (الخج) وحرص النظام البائد من خلالها تعيق نفوذه بأدوات ديموقراطية كوسيلة للهيمنة، وليس لمزيد من الحريات والعدالة،وفي نفس الدراسة يذكر ناثان ج براون أن الأنظمة شبه السلطوية تستخدم الانتخابات لضبط المعارضة بثلاثة طرق:

(الأولى): أن الانتخابات توفر فرصا لإخراج المعارضة الى العلن، ووضعها في دائرة الضوء.

(الثانية): الاستلحاق والمدالسة، ومن ثم دفع المعارضة لدعم النظام.

(الثالثة): استخدام الانتخابات لتحقيق مبدأ فرق تسد.

فرص التغيير:

وفق تجارب الدول،أو في ما أسماه المفكر السياسي الأمريكي صامويل هاننغتون بالموجة الثالثة من التحول الديمقراطي، سيكون أمامنا خمسة نمازج للتحول الديموقراطي على النحو التالي:

التحول عبر مبادرة النظام
وهو التحول الذي يتم من خلال مبادرة النخبة الحاكمة لقيادة عملية التحديث في النظام، وهو ما يؤدي في العادة إلى نقل الدولة من صفتها الشمولية والاستبدادية إلى الصفة الديموقراطية.

التحول عبر نقل السلطة:
إذا كان النظام السياسي ضعيفا ويفتقد إلى القدرة اللازمة على اتخاذ القرار، فإن المعارضة التي تكون في وضع آفضل نسبيا سوف تدفع السلطة إلى الدخول في مفاوضات حول حاضر البلاد ومستقبلها.

التحول بالقطيعة:
هذا التحول يحصل عندما يعصف بالنظام ضعف عام ، وتظهر قوة المعارضة ويتضاعف نفوذها ، لكنها لا تحاول العودة إلى الماضي، والركون إلى السياسات التقليدية التي تخدم النظام، وإنما تسعى بجد لا يخلو من مغامرة إلى خلق شرعية سياسية جديدة مفارقة للنظام القائم ومتعارضة معه ، في مسعى لتعريته من الشرعية السياسية التي يتدثر بها.

التحول بضغط الخارج:
وهو التحول الذي يأتي تحت ضغط الخارج في حال قوة السلطة، وسيطرتها وهشاشة المعارضة وضعفها، ووجود توجه دولي خاصة من القوى المؤثرة بضرورة التحول الديموقراطي في هذا البلد أو ذاك كونها تعتبر تلك الأنظمة مهددة للاستقرار ولمصالحها.

التحول بالعدوى الديمقراطية:

وهو الذي تجري وقائعه تحت تأثير العدوى الديموقراطية أوما يطلق عليه نظرية الدومينو يعتبر السودان رائد في هذه الثورات التي حققها في كل من أكتوبر 1964- أبريل 1985- وأبريل 2019م.

النظام البائد:

بعد انتفاضة سبتمبر 2013م  أظهر النظام البائد تحولا في إدارته لواقع الثورة المعارضة له، تمثلت في الأدوات التي استخدمها في مواجهة الحراك المطلبي الذي كان شعاره كنس النظام ،حيث لجاء النظام الي حيلة ماكرة، وهي حوار الوثبة الذي شاكت فيه أحزاب خرجت من المؤتمر الوطني مثل حركة الاصلاح الان ،وحزب المؤتمر الشعبي  وبعض احزاب الفكة،وفي العام 2015م شرع النظام البائد في انتخابات مضروبة،إلا أنها انتخابات شكلية فرغت من أهدافها وغاياتها من جهة، وتحولت إلى أداة في يد السلطة تكرس فيها تهميش المعارضة، وقمع الحراك وتلمع بها صورتها أمام أنصارها في الداخل وداعميها في الخارج من جهة أخرى،حيث تم تفريغ دوائر لاحزاب الفكة، وتشكيل برمان أشبه ببرلمان الحزب الواحد.
وهو ما يؤكد من كون هذه الديموقراطيات، وسيلة إما للتدجين أو للاقصاء تلجأ لها الدول الشبه سلطوية لتكرس إما من سلطويتها، أو من نفوذها في احتواء المعارضين بشكل سلمي ،ولكنها حينما يتهدد وجودها تحت أي ظرف فهي قادرة على الانقلاب في برمجياتها الداخلية ،وتحويل مسارات كونها دولة شبه سلطوية من خلال دمج المعارضة في العمل السياسي الشكلي ،إلى دولة سلطوية لا محل للمعارضة فيها لذلك لاحظنا حرص النظام البائد على إشراك أكبر عدد من احزاب الفكة ومارس عليها ضغط سياسي، وقدم لها وعود كبيرة من بينها تفريغ دوائر لمرشيحها لدفعها نحو المشاركة كي يكتمل المشهد الشبه سلطوي أمام العالم بوجود المعارضة وإن كان وجودا شكليا،وتحذر دراسات من ان الضغط الخارجي على الأنظمة لجهة إحداث تغييرات، وإصلاحات في نظامها السياسي لتبنى مزيدا من الديموقراطية، وإشراك الشعب في الحكم،وتكمن خطورة هذا الضغط على فتح سماء الدول المعنية للتدخلات الخارجية، وهو ما يهدد سيادتها من جهة، وأمنها من جهة أخرى إلا أن حجة السيادة تزيد من فرص الأنظمة السلطوية في قمع الشعوب بحجة الاستقواء بالخارج وخرق سيادة الدولة لذلك نجد محاذير كثيرة في هذه النمط ، لكن هناك حلا وسطا في هذا النمط يحاول معالجة هواجس خرق السيادة من جهة ، ومن جهة أخرى تقلل مساحات استبداد السلطة منها نظرية الإنسان الجديد الذي يرتبط بخطين متوازيين:
(الأول) وطني ويتعلق به الشأن السياسي، وحقوق المواطن السياسية ،والثاني عالمي ويتعلق به الشأن الإنساني العام، والحقوق العالمية ،وفي المستوى الأول يكون للدولة إضافة للقوى السياسية، والاجتماعية في كل بلد أن تضع متطلبات للعمل السياسي الديموقراطي الذي يكفل حق الجميع بالمشاركة في صناعة القرار السياسي،ووضع الضوابط المنظمة لعملية المشاركة في بلورة هذا القرار، اما على المستوى (الثاني) فالدولة تقف عند خط أحمر، ولا تتعداه،وهو يتصل بكل ما يمكن أن يدخل في إطار الحقوق الأصيلة للإنسان أيا كانت جنسيته أو لونه أو عقيدته،وفي هذا المستوى يحق للمواطن أن ينظم نفسه في إطار منظمات مدنية، وإنسانية عامة تتواصل مع المنظمات الشبيهة خارج الدولة،وتشكل جماعات ضغط تمنع الدولة من التسلط،وتعيد للمجتمع المدني اهتماماته ودوره الحقيقي،ويتم ذلك بتحويل الظواهر المحلية أو الاقليمية إلى ظواهر عالمية،ويمكن هنا للقوى الثورية أن تستفيد من هذه النظرية على مستويين
(الأول):التوثيقات الداخلية لكل ما يقوم به النظام من تعديات في حق المعارضين
(الثاني):عضوياتهم في المنظمات الحقوقية الخارجية ،لممارسة دورها كمنظات مهتمة بالشأن الحقوقي في الضغط على النظام مستعينة بالتوثيقات الداخلية من جهة ،ومن قدرتها على التأثير من جهة أخرى.

تأمين المصالح:

وبحسب دراسة للاستاذ علي محمد علي (دور مؤسسات التمويل الدولية في عملية التحول الديمقراطي في ضوء الادبيات النظرية والخبرات الدولية) حيث تناولت الدراسة تطور منظومة المعونة الدولية، وتصاعد قيمة الديمقراطية إنطلاقاً من فرضية قيام العامل الخارجي بدور في دعم التحول الديمقراطي في دول العالم الثالث، وتحليل دور مصالح الدول الكبرى والمؤسسات الدولية المانحة في هذه العملية منذ انتهاء الحرب الباردة، وكذلك تفسير أثر المشروطية السياسية على السياسات الخارجية للدول المستقبلة للمعونة أو للقروض،ويري خبراء أن القوى الخارجية لا تسعى إلى دعم التحولات الديمقراطية إنطلاقا من إيمانها بمبادئ الديمقراطية في حد ذاتها، وانما رغبة في تأمين مصالحها الاستراتيجية في تلك المناطق من العالم، ومن ثم فقد يكون العامل الخارجى محايدا إزاء مسألة الديمقراطية أو حتى معوقا لها فى حالة تعارض المصالح الأخرى، ومن ناحية ثانية، فإن نوع الديمقراطية التى قد يلعب العامل الخارجى دورا فى تحفيز انطلاقها أو دعمها هى فى الأغلب ذات طابع إجرائى متمثلة فى إجراء انتخابات تعددية بشكل دورى ونزيه، كما ترتبط بشكل وثيق بالنظام الاقتصادى الرأسمالى أى هى ديمقراطية اقتصاد السوق، كما أن الدور الخارجى بوجه عام، وآلية المعونة بوجه خاص قد تكون معوق للتحول الديمقراطى حيث إنها تقدم موارداً ريعية، قد تقلل الحافز للإصلاح أو توظف سياسيا لتعزيز الولاء للنظم القائمة أو إفساد المعارضة،وأثبتت دراسات صحة فرضية انكشاف وإذعان الدول المتلقية للمعونة للضغوط التى تمارس من قبل المؤسسات المالية الدولية، بحيث تتناسب تلك الانكشافية مع مدى اعتمادية الدولة على المعونة من ناحية، وضعف أوراقها التفاوضية من ناحية أخرى، ويتمتع نظام المعونة الدولية من خلال مؤسسات البنك الدولى، وصندوق النقد الدولى بالتأثير سواء بشكل مباشر من خلال التأثير المادي على عملية صنع القرار فى الدول النامية، فضلا عن التأثيرات غير المباشرة من خلال إسباغ الشرعية على أفكار وسياسات وممارسات بعينها، لذلك برز الحديث عن أثر سلطة الأفكار، ويري خبراء أن الفصل بين دور المؤسسات المالية الدولية ودور القوى الكبرى المهيمنة فصل وهمي، وأن بناء هيكل القوة داخل تلك المؤسسات منذ نشأتها سمح للقوى الكبرى بلعب أدوارا مهيمنة، وبتوجيه سياساتها، وان كل ما يصدر عن البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي كان لخدمة مصالح وأهواء محددة، بالرغم من صعود قوى اقتصادية كالصين والهند والبرازيل مؤخرا، وحدوث تغير فيما يتعلق بنظام الحصص وبالقوى التصويتية لتلك الدول، ما زالت الولايات المتحدة تتمتع بحصة مهيمنة فى عملية صنع القرار، كذلك تأثر نظام ما بعد المشروطية بوجود مانحين جدد لا يولون مسألة طبيعة النظام أو الديمقراطية الاعتبار ومن ثم أعاد هؤلاء – خاصة الصين- هامش المناورة للدول النامية والتى كانت قد تلاشت بانتهاء الحرب الباردة، ان حدود وطبيعة المؤثرات الخارجية والتي تجلت في تدخل القوى الدولية في الشئون الداخلية للدول بحجة متابعة عملية التحول الديمقراطي ودعم عملية الاصلاح السياسي مدفوعة بمجموعة من الأهداف الخفية، والمعلنة، والتي حتما تخدم مصالحها، وأهدافها حتى وإن كان ذلك على حساب نشر قيم الديمقراطية وحقوق الانسان، كذلك أيضاً يؤثر عامل الجغرافيا والتاريخ في دعم عملية التحول الديمقراطي من عدمه، فبينما يخشى الحكام من عدوى إنتشار الثورات والحراك الشعبي وإغلاق الحدود فكرياً وأمنياً يأتي دور (الشفاتا) و(الكنداكات) من الشباب الذي تخطى أفقه حاجز الدولة ليشاهد تجارب العالم بأثرة بين يديه يومياً متسلحاً بشتى العلوم والمعارف التي ما عادت الدول تحتكر فن صناعتها، وتوجيهها كما كان يحدث في عصور مضت ،كما يأتي أيضاً دور المؤسسات الدولية المالية، والشركات عابرة القارات لتشكل مؤثراً هاماً في عملية التحول الديمقراطي عبر تدخلها في فرض المشروطية السياسية والإدارية والاجتماعية للدول التي تتعامل معها.

خاتمة:

العثرات التي تواجه الانتقال الديمقراطي  والتي أشرنا لها تدفعنا بالدفع بنصيحة غالية لقوي اعلان الحرية والتغيير لانه من غير المقبول أن تكون اليوم في خندق واحد مع الآخرين من شركاء الوطن لضرورات المرحلة السياسية ، وعند تحقيق المطالب الثورية تبدأ مسيرة الاختلاف، والتي تؤثر بشكل سلبي على استقرار المجتمع وتماسكه،وتشغل الثوار وقيادات الدولة  القادمة ببعضهم البعض بدل أن ينشغلوا ببناء الدولة التي طالها خراب منهج طال كل شي ، استقرار المجتمع، وأمنه يعتبر مؤشرا مؤثرا في تحقيق وإتمام التغيير الثوري ،فالمطلوب من الحرية والتغيير اليوم قبل الغد، وضع نظرية كاملة لكيفية الانتقال الديمقراطي تعالج فيها كل المشاكل وتستصحب الاخفاقات الماضية ، وتشكل مظلة للجميع من خلال تحقيق شعار(حرية –سلام –عدالة) وتقديم رؤية شاملة حول الدولة تكون الشراكة فيها عنوان رئيسي ، إن قوي الحرية والتغيير أمام تحديات كبيرة لتحقيق الغايات التي لأجلها قامت الثورة،وهذه الاستمرارية تتطلب النظر في الواقع الداخلي والمحيط الجيواستراتيجي ،ودراسة الخيارات المتاحة للتغيير والتحول الديمقراطي ،وتهيأة العوامل المؤثرة في عملية التحول الديمقراطي، فالمرحلة الانتقالية الجديدة تحمل في طيّاتها اختلالات المراحل السابقة، أما مدى النجاح الذي يمكن أن يتحقق، فمرهون بالمثابرة التي سيُبديها الداعمون لخريطة الحل النهائي،من قيادات الحرية والتغيير بكافة مكوناتها، مع الاعتراف مسبقًا أن المهمة لن تكون سهلة فالانتقال الديمقراطي  تجربة عسيرة  تتم من خلالها تغييرات في قواعد العمل السياسي ،ترنو الى احداث تغييرات على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسات القائمة، والفاعلين السياسيين،فنحن اليوم في مرحلة تتسم بضراوة المعركة بين القديم، والجديد الاصل، والاستثناء، وبين مراكز النفوذ وشبكات المصالح للدولة العميقة ،وكشفت كل تجارب الاولين والآخرين ان التضحية هي العنوان الابرز، وان مفتاح العبور بتجربة الانتقال الديمقراطي الى شواطئ الامان لا يكون الا بالاستعداد لتقديم التنازلات،وتجرع السم من اجل الوطن،الذي يواجه مخاض عسير في الانتقال الديمقراطي لحزمة من الاسباب من بينها الدولة العميقة التي تحاول إجهاض اي انتقال من الاستبداد الي الديمقراطية،فالثورة لم تحقق حتى الآن هدفها الأساسي، وهو الإطاحة بالنظام القديم بشخوصه، ورموزه ومؤسساته وأدواته، ولا نعرف في الخبرات المشابهة ثورة قامت كي تعود إلى ما كانت عليه من قبل، وإلا فقدت اسمها،وصفتها فالثورة تنطوي على معنيين أساسيين هما: التغيير وإعادة البناء فلا التغيير وقع، ولا مرحلة إعادة البناء قد بدأت، نحن نعلم ان الثورة تتعرض لضغوط خارجية من أجل إجهاضها، والالتفاف عليها، ويكفي الثوار أنهم نالوا احترام الجميع داخلياً وخارجياً، وأعادوا بثورتهم بلادنا إلى قلب المشهد العالمي ،وحتي ينجز الثوار مهمتهم  ويحموا ثورتهم خلال المرحلة المقبلة لابد من الاعتراف بأن الثورات لا تعترف بمنطق التجزئة، فالتاريخ لا يعترف بأنصاف الثورات، فإما ثورة أو لا شيء،لذلك يجب أن يدرك الثوار أن الشرعية الآن هي للمجتمع ،فإحدى ثمار هذه الثورة أنها أعادت تصحيح الخلل الرهيب في العلاقة بين الدولة، والمجتمع بحيث بات هذا الأخير هو المحدد لشكل العلاقة وهو الذي يجب أن يضع قواعد اللعبة، ويحدد سقفها وشروطها، وعلى الجميع الالتزام بها ، لذلك يجب أن يفطن الثوّار إلى أن مؤسسات وشخوص وأدوات النظام البائد لا تزال حاضرة، وفاعلة، وتستعد لمرحلة جديدة من الصراع من أجل إجهاض الثورة،والدليل هنا فك حظر وتجميد التنظيمات النقابية من قبل المجلس العسكري ،معلوم ان النظام البائد كان قد أطاح منذ انقلابه المشوؤم علي الديمقراطية بكل القيادات والكوادر النقابية وفرض مكانها عبر سياسات احلال قياداته وكوادره،فالطفيلية التي نمت وترعرعت على سياسات الاستبداد والفساد طيلة ثلاثة عقود، وهي تسعى الآن لحماية امتيازاتها وبقائها بشراسة، وتضم هذه الطبقة فئات عديدة من سياسيين ورجال أعمال وأحزاب وصحافيين وإعلاميين ورؤساء جامعات ومديرين عامين ورجالات الادارة الاهلية ورياضيين جميعهم مستفيدون من النظام البائد، لذلك يدافعون عن بقائهم ومصالحههم ،ولن يتورعوا عن استخدام كافة الوسائل لتحقيق ذلك، وعلي الثوار ان يتذكروا دوما أن ما يجمعهم، ويوحّدهم ليس فقط مظالمهم السياسية والاجتماعية من النظام البائد فحسب، وإنما أيضاً مستقبلهم، ومستقبل أبنائهم، وحلمهم بتأسيس دولة ديموقراطية عصرية تقوم على أسس الحرية والعدالة والمواطنة، وهو هدف كافٍ لشحن العزائم، وتجديد الهمم كلما ارتخت، ويجب ألاّ يغيب عنهم أنهم لا يصارعون القمع، والاستبداد، والفساد فحسب، وإنما يناضلون ضد منظومة من القيم المعيبة التي توطّنت في المجتمع، وأفقدته هويته وخصوصيته خلال ثلاثة عقود، هنالك عمل اخر مطلوب من القوى النابضة متمثلة في المجتمع المدني السوداني والمنظمات والجمعيات والمراكز الحقوقية والثقافية من أجل حماية الثورة واحتضانها، فنجاح الثورة السودانية ستغيير واقعنا الداخلي ومحيطنا الاقليمي والعالمي(يتبع)

الخرطوم:حسين سعد

مرت حوالي خمسة أسابيع علي الاطاحة بالنظام البائد عبر الثورة الجماهيرية الباسلة لكن التحول نحو الانتقال الديمقراطي للسودان يواجه مطبات عديدة وصعوبات كبيرة،بسبب تركة الخراب التي تركها النظام البائد الذي إستمر نحو ثلاثين سنة من بينها الدولة العميقة او الموازية كما يقول القيادي بتجمع المهنيين والاستاذ الجامعي الدكتور محمد يوسف احمد المصطفي ،بجانب التدمير الممنهج الذي طال الخدمة المدنية ،والمؤسسات الحكومية، وتحطيم المشاريع الاقتصادية والزراعية والفساد الذي أزكم الانوف ،والقتل والتشريد وإشعال الحروب ،فضلا عن تدخلات قوي اقليمية ودولية في السودان الذي أصبح مسرح لصراع تلك المحاور التي نشرناها في المقالات السابقة، ونخشي ان تؤدي هذه الصعوبات والتدخلات غير الحميدة الي اعاقة الجهود المبذولة للانتقال الديمقراطي الذي كتب عنه عدد من المفكرين والكتاب بأعتبار ان للسودان تجارب انتقال سابقة لم تكن ناجحة اذ سرعان ما تم الانقلاب عليها، فالدروس المستفادة من تجاربنا الماضية بجانب تجارب محيطنا الاقليمي بتفاعلاته، وانعكاساته، ونتائجه،تدفعنا للفت الانتباه لكل الفاعلين بضرورة التخلي عن الذاتية، والتقوقع في الحزبية الضيقة، كما عليهم التحلي بالرؤية الاستراتيجية، والأفق الاستشرافي،واعتماد مقاربات جديدة في تدبير المشهد السياسي ،وتدشين لحظة تاريخية تكون فيها المصلحة الأولى للوطن، وطن للجميع، وطن يحقق التنمية والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية ، لان كل المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الداخلية، لم تعد تسمح لنا بتكرار الاخطاء السابقة.

تجارب سابقة:

وفي مقال له قال احمد ابراهيم ابوشوك:يرى بعض الباحثين والمحللين السياسيين أنَّ التغيير في أنماط التفكير السياسي والبناء الهيكلي لمؤسسات الدولة السودانية قد أضحى ضرورة ملحَّة، للخروج من دائرة الفشل السياسي المتكرر إلى رحاب ديمقراطية مستدامة، آخذين في الحسبان أن السودانيين قد بدؤوا تجربة المشاركة الوطنية في الحكم بانتخابات عام 1948 لاختيار أعضاء الجمعية التشريعية، باعتبارها خطوةً تأسيسية تجاه الحكم الذاتي في ظل الاستعمار الإنجليزي-المصري (1898-1956)، وأعقبتها انتخابات مجلس النواب والشيوخ عام 1953، التي مثلت الانطلاقة الديمقراطية لقيام أول حكومة وطنية منتخبة، كان لها شرف إعلان الاستقلال من داخل البرلمان في 19 ديسمبر 1955. وجاءت بعدها انتخابات عام 1958 بوصفها خطوةً تجاه تمكين الممارسة الديمقراطية الوليدة، إلا أن الصراع الحزبي على السلطة أفضى إلى انهيار تلك التجربة، عندما سلَّمت قيادة حزب الأمة دفَّة الحكم إلى قيادة القوات المسلحة التي حكمت السودان مدة ستة أعوام (1958-1964)، شهد السودان خلالها انتخابات المجلس المركزي عام 1962، لإضفاء نوعٍ من الشرعية على الحكم العسكري الذي عارضته معظم القطاعات السياسية والحزبية،وبعد إزاحة الحكم العسكري عن طريق انتفاضة شعبية في أكتوبر 1964، حُكِم السودان بوساطة حكومة مدنية انتقالية مدة عام واحدٍ، مهدت الطريق لانتخابات عام 1965، التي أفرزت عددًا من الحكومات المؤتلفة بين أجنحة حزبَي الأمة والوطني الاتحادي المتصارع بعضها مع بعضها الآخر. وفي عهد تلك الحكومة المتعاقبة تمَّ طرد نواب الحزب الشيوعي السوداني من البرلمان، كما تصاعدت وتيرة الحرب الأهلية في جنوب السودان. وفي ضوء تلك الظروف، أُجريت انتخابات عام 1968، بوصفها خطوةً ثانية لتمكين الممارسة الديمقراطية. إلا أنَّ الحكومة المنتخبة من ائتلاف حزبَي الأمة والاتحادي الديمقراطي لم تدم طويلًا، بفعل الصراعات السياسية والحزبية التي أفضت إلى إجهاضها بانقلاب عسكري،وقد حكم ذلك الانقلاب العسكري السودان مدة ستة عشر عامًا ،تبنى خلالها أيديولوجيات متناقضة، لضمان استمراريته في الحكم، كما سعى جاهدًا إلى شرعنة وضعه السياسي بإجراء العديد من الانتخابات التشريعية والتنفيذية في مناخ غير ديمقراطي. إلا أن هذه المعالجات الشكلية لم تُكسب النظام شرعية سياسية، بل قادت إلى إسقاطه عبر انتفاضة شعبية في أبريل 1985م ،وبعد إسقاط النظام قامت حكومة (عسكرية – مدنية) انتقالية مدة عام واحدٍ، كسابقتها، أشرفت خلالها على إجراءات الانتخابات البرلمانية لعام 1985، والتي انبثق منها عدد من الحكومات الائتلافية المتعاقبة. لكنها كانت عرضة لسلسلة من المشاكسات الحزبية ،وأخيرًا قاد ذلك الواقع إلى سقوط الحكومة المنتخبة في 30 يونيو 1989، عن طريق انقلاب عسكري، خطط له ونفذه حزب الجبهة الإسلامية القومية، وفي عهد حكومة الإنقاذ الإسلامية، حدثت تحولات سياسية كثيرة في بنية الأحزاب السياسية، إذ ارتفع عددها من 16 حزبًا بحسب سجلات انتخابات 1986 إلى 83 حزبًا مسجلًا،وتفاقمت الأزمة في عام 2018، عندما عجزت حكومة الإنقاذ عن توفير متطلبات الحياة الأساسية (الخبز، والوقود، والنقود)، الأمر الذي أفضى إلى اندلاع انتفاضة  ديسمبر التي انتظمت فيها معظم  مدن السودان وقطاعاته الاجتماعية، وأخيرًا بلغت ذروتها في الاعتصام منذ 6 أبريل ، أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة، مجبرة القوات المسلحة على إطاحة نظام الرئيس البشير في 11 أبريل 2019م ،ويمكن إجمال هذه التجارب الفاشلة في ثلاث ديمقراطيات منتخبة وغير متعاقبة، تُقدَّر فترة حكمها بأحد عشر عامًا، تخللتها فترتان انتقاليتان مدة عامين، وثلاث حكومات عسكرية (1958-1964، و1969-1986، و1989-2019) اغتصبت السُّلطة طوال اثنين وخمسين عامًا،أما الآن، فقد شهد السودان مخاض انتفاضة شعبية ثالثة، استطاعت أن تسقط حكومة الإنقاذ ، بعد ثلاثين عامًا من التسلط، والإقصاء السياسي، والفساد المالي، والفشل المتراكم في إدارة الدولة ومؤسساتها السيادية والخدمية، ونتيجة لذلك أضحت النخبة السياسية أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن تمضي في تكرار التجارب الفاشلة، وإما أن تسعى إلى تغيير طرائق تفكيرها السياسية لخدمة قضايا السودان الأساسية، ثم تتبع ذلك بتحديث في منظومات أحزابها السياسية وآليات حراكها وتدافعها الديمقراطي،ويبدو أنَّ قوى الحرية والتغيير قد انطلقت من هذا الخيار الثاني، عندما دعت إلى تشكيل حكومة انتقاليَّة مدنية، مكونة من ثلاثة مجالس (مجلس سيادي، ومجلس وزراء، ومجلس تشريعي)، تتولى سدة الحكم مدة أربع سنوات، بهدف معالجة المشكلات السياسية والاقتصادية الآنية، وتهيئة المناخ السياسي لإجراءات انتخابات عامة بعد نهاية الفترة الانتقالية.

ماهية الانتقال الديمقراطي:

ويقول دكتور حسنين توفيق إبراهيم في دراسة له الي ان  مفهوم الانتقال الديمقراطي يشير في أوسع معانيه إلى العمليات والتفاعلات المرتبطة بالانتقال أو التحول من صيغة نظام حكم غير ديمقراطي إلى صيغة نظام حكم ديمقراطي. ومن المعروف أن هناك عدة أشكال أو أنماط لنظم الحكم غير الديمقراطية، فهي يمكن أن تكون شمولية أو تسلطية مغلقة، مدنية أو عسكرية، حكم فرد أو حكم قلة...إلخ،وبناءً عليه، فإن مفهوم الانتقال الديمقراطي يشير من الناحية النظرية إلى مرحلة وسيطة -تشهد في الأغلب الأعم مراحل فرعية- يتم خلالها تفكيك النظام غير الديمقراطي القديم أو انهياره، وبناء نظام ديمقراطي جديد. وعادة ما تشمل عملية الانتقال مختلف عناصر النظام السياسي مثل البنية الدستورية والقانونية، والمؤسسات والعمليات السياسية، وأنماط مشاركة المواطنين في العملية السياسية...إلخ. وحسب كثير من الأدبيات السابقة، فإنه يمكن اعتبار عملية الانتقال الديمقراطي قد اكتملت متى ما توفرت عدة مؤشرات منها: وضع ترتيبات دستورية ومؤسسية بالتوافق بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين بشأن النظام السياسي الجديد وبخاصة فيما يتعلق بإصدار دستور جديد، وتشكيل حكومة من خلال انتخابات عامة تكون حرة ونزيهة، على أن تمتلك هذه الحكومة القدرة والصلاحية على ممارسة السلطة وإقرار سياسات جديدة تعكس حالة الانتقال إلى الديمقراطية، فضلا عن عدم وجود قوى أخرى تنازع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية صلاحياتها واختصاصاتها،ونظرا لأن عملية الانتقال الديمقراطي هي عملية معقدة بطبيعتها، تتداخل في تشكيل مساراتها ونتائجها عوامل عديدة، داخلية وخارجية، فقد تكون مصحوبة بمرحلة جديدة تتمثل في ترسيخ النظام الديمقراطي، وقد لا يترتب عليها قيام نظام ديمقراطي في مرحلة ما بعد الانتقال، وذلك في حال حدوث ردة أو انتكاسة تقود إلى نشوب صراع داخلي أو حرب أهلية أو ظهور نظام تسلطي جديد كما أن مرحلة الانتقال قد تفضي إلى ظهور نظم سياسية هجين، بمعنى أنها نظم لا تُعتبر غير ديمقراطية بالمعنى الكلاسيكي، شمولية أو تسلطية مغلقة، ولا تكون في الوقت نفسه ديمقراطية كاملة أو راسخة، أي تجمع بين بعض عناصر النظم غير الديمقراطية وبعض ملامح وعناصر الديمقراطية. وقد حدث هذا في كثير من الحالات لدرجة أن هذه النظم الهجين باتت تشكل ظاهرة على الصعيد العالمي ،وبناءً عليه، يمكن القول: إن النظم التي تمر بمرحلة انتقال إلى الديمقراطية تنتشر على خط متصل، يقع على طرفه الأول النظام غير الديمقراطي في صورته النموذجية سواء أكان شموليا أو سلطويا مغلقا، مدنيا أو عسكريا، حكم فرد أو حكم قلة...الخ، ويقع على طرفه الآخر النظام الديمقراطي في نمطه المثالي، والذى تُعد النظم الديمقراطية الليبرالية الراسخة في الدول الغربية أقرب النماذج إليه.

عوامل عديدة:

أكدت الموجة الثالثة للانتقال الديمقراطي على أن هناك مجموعة من الأسباب الداخلية والخارجية التي أدت إلى الانتقال، وأن هذه الأسباب تختلف من حالة إلى أخرى،وبصفة عامة، فإنه لا يمكن تفسير الانتقال الديمقراطي بعامل أو بسبب واحد فقط، فعادة ما يكون ذلك نتاجا لعوامل عديدة ومتداخلة بعضها جوهري والآخر ثانوي، بعضها داخلي والآخر خارجي، بعضها يتعلق بالعوامل البنيوية الموضوعية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية والدينية التي تشكل بيئة الانتقال، وبعضها الآخر يتصل بالفاعلين السياسيين من حيث هوياتهم واختياراتهم وإستراتيجياتهم. وفى ضوء ذلك، فإنه يمكن تصنيف الأسباب الداخلية للانتقال الديمقراطي إلى ثلاث مجموعات :

  • (1)أسباب تتعلق بتفاقم حدة الأزمات الداخلية وعجز النظام غير الديمقراطي عن مواجهتها بفاعلية، وهذه الأزمات قد تكون اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية،وعندما يعجز النظام عن مواجهة هذه الأزمات فإنه يفقد شرعيته، وبالتالي تتصاعد حدة المعارضة ضده، وهنا قد تلجأ النخبة الحاكمة في هذه الحالة إلى تبني نوع من الانفتاح السياسي أو التحرك على طريق الديمقراطية لاستيعاب المعارضة، وقد تحدث ثورة أو انتفاضة شعبية واسعة تطيح بالنظام  التسلطي، وتدشن لمرحلة الانتقال الديمقراطي،ولكن إذا كانت الأزمات الداخلية تدفع في اتجاه الانتقال الديمقراطي في بعض الحالات، فإن بعض الانجازات الاقتصادية والاجتماعية التي يحققها النظام غير الديمقراطي في بعض الفترات قد تعزز من فرص وإمكانات الانتقال الديمقراطي في فترات تالية، فالتنمية الاقتصادية، وزيادة متوسط دخل الفرد، وارتفاع معدلات التعليم، كلها عوامل تسهم في خلق بيئة ملائمة للانتقال الديمقراطي
  • (2) أسباب تتعلق بطبيعة الفاعلين السياسيين من حيث هوياتهم وميزان القوة النسبي فيما بينهم. ويتضمن ذلك عناصر عديدة منها: درجة تماسك النخبة الحاكمة، وموقف كل من الجيش وقوات الأمن منها، وحجم التأييد الشعبي لها، وطبيعة قوى المعارضة السياسية ومدى فاعليتها في تحدى النخبة الحاكمة، وفي هذا السياق، يمكن القول إن القيادة السياسية أو الجناح الإصلاحي في النخبة الحاكمة قام في بعض الحالات بدور حاسم في عملية الانتقال الديمقراطي، ويحدث ذلك عندما تصل القيادة السياسية إلى قناعة مفادها أن التحرك على طريق الدمقراطية هو المسلك الآمن لتجنب احتمالات تغيير النظام بالقوة، كما أن وجود معارضة سياسية قوية وقادرة على التنسيق فيما بينها وتحريك الشارع ضد النظام الحاكم يعزز من فرص المساومة، والتفاوض مع الحكم بشأن الانتقال الديمقراطي، وربما إطاحته من خلال انتفاضة أو ثورة شعبية، بحيث يصبح الطريق ممهداً للانتقال بعد ذلك.
  • (3) أسباب تتعلق بطبيعة المجتمع المدني، ومدى فاعلية قواه ومنظماته في ممارسة الضغوط من أجل الانتقال الديمقراطي. ففي عديد من الحالات قامت قوى ومنظمات المجتمع المدني بما في ذلك الكنيسة الكاثوليكية (في بعض الدول) بدور هام ومؤثر في عملية الانتقال، وكل ذلك يقترن بمدى وجود طلب مجتمعي على الديمقراطية، يقوم المجتمع المدني بدور رئيسي في تعزيزه وتوسيع نطاقة ،أما بخصوص العوامل الخارجية التي أسهمت بدرجات متفاوتة، وأشكال مختلفة في دفع عمليات الانتقال الديمقراطي خلال الموجة الثالثة، ومن أهمها: بروز دور القوى الغربية والتكتلات الكبرى في دعم عمليات الانتقال الديمقراطي، سواء من خلال تقديم المساعدات الاقتصادية للدول التي تمر بمراحل انتقال، أو تقديم الدعم المادي والفني للأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، أو ممارسة الضغوط السياسية وفرض العقوبات على النظم التسلطية...إلخ. ويمكن في هذا المقام الإشارة إلى دور كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوربي في نشر وتعزيز الديمقراطية في مناطق مختلفة من العالم وبخاصة في جنوب وشرق ووسط أوروبا بالنسبة للاتحاد الأوروبي، وفى أميركا اللاتينية بالنسبة للولايات المتحدة،ثمة عوامل خارجية أخرى أثرت بدرجات متفاوتة، وأشكال مختلفة في عملية الانتقال الديمقراطي، منها: تنامي دور مؤسسات التمويل الدولية وبخاصة صندوق النقد والبنك الدوليين في دعم سياسات التحرير الاقتصادي والسياسي والتحول الديمقراطي في بلدان القارات الثلاث وشرق ووسط أوروبا، وذلك من خلال أدوات ووسائل عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها، كما أن تمدد دور المجتمع المدني العالمي متمثلا في المنظمات الدولية غير الحكومية المعنية بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان كان له دوره في نشر الديمقراطية على الصعيد العالمي، حيث تقوم منظماته بتقديم أشكال مختلفة من الدعم لمنظمات المجتمع المدني ومراقبة الانتخابات في البلدان التي تمر بمراحل الانتقال الديمقراطي، وفضح ممارسات النظم التسلطية وممارسة الضغوط عليها...إلخ. أضف إلى ذلك أن انتشار قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان على الصعيد العالمي وبخاصة في ظل موجة العولمة وثورة المعلومات والاتصالات التي تجتاح العالم قد أسهم في خلق بيئة دولية ملائمة لدعم الانتقال الديمقراطي في مناطق مختلفة من العالم، كما أن نظرية الدومينو أو عامل العدوى أو الانتشار شكل عنصرا دافعا لعملية الانتقال الديمقراطي على الصعيد الإقليمي في بعض الحالات، حيث أن نجاح دولة ما في تأسيس نظام ديمقراطي مستقر يمكن أن يلقى بتأثيراته على الدول المجاورة لها على النحو الذى يشجع النخب والقوى السياسية فيها على السير في نفس الاتجاه، كما يمكن أن يحدث الانتقال الديمقراطي من خلال الحرب والاحتلال الأجنبي على غرار ما حدث في كل من ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية لكن هناك نقطتان هامتان تتطلب الإشارة إليهما بخصوص دور العوامل الخارجية في دعم الانتقال الديمقراطي:
  • (أ)تختلف درجة تأثير العوامل الخارجية في عملية الانتقال الديمقراطي  من حالة إلى أخرى حسب اختلاف إستراتيجيات الفاعلين الدوليين، وطبيعة الظروف والعوامل الداخلية في البلدان المستهدفة، وقد أكدت دراسات عديدة على أن العوامل الخارجية لا تؤتى تأثيراتها الإيجابية بهذا الخصوص أو تكون تأثيراتها محدودة في حال عدم وجود قوى وعوامل داخلية محركة للانتقال الديمقراطي، مما يعنى أن الأصل في عملية الانتقال هو العوامل الداخلية أما العوامل الخارجية فإن دورها يكون مسانداً.

(ب) بعض العوامل الخارجية لعبت دوراً هاماً في دعم وترسيخ النظم التسلطية، وليس دعم الانتقال الديمقراطي. وتتمثل الحالة النموذجية لذلك في دور الولايات المتحدة الأميركية في دعم ومساندة النظم التسلطية في المنطقة العربية على مدى العقود الماضية طالما استمرت هذه النظم تتوافق مع مصالحها، أي أن سياسات الإدارات الأميركية المتعاقبة تجاه المنطقة العربية قامت في جانب هام منها على التضحية بمبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان من أجل المصالح،وهناك ايضا نموزج روسيا والصين التي تدعم النظم المتسلطة ،ولذلك فإن جهود المجتمع الدولي من أجل نشر الديمقراطية سواء في افريقيا او الشرق الاوسط  عانت من معضلة عدم المصداقية(يتبع)

محمد موسى ابراهيم -عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

(1)

بدأ الإستعمار الإسباني لمنطقة الصحراء المغربية في الفترة من 1883م وحتى العام 1975م , وطوال هذه المدة كانت تُسمّى هذه المنطقة بالصحراء الإسبانية أو إقليم الصحراء الإسبانية

 

 

 نبيل أديب

شهد العالم بدءاً من سبعينات القرن الماضي، تحولاً من أنظمة سلطوية إلى أنظمة ديمقراطية.و قد تعددت أشكال الإنتقال من الأنظمة السلطوية إلى الشكل الديمقراطى التعددي. وقد كان هذا التحول في بعض الأحيان يتم بإسقاط النظام القديم عن طريق القوة، إما