طباعة

 

 

 نبيل أديب

شهد العالم بدءاً من سبعينات القرن الماضي، تحولاً من أنظمة سلطوية إلى أنظمة ديمقراطية.و قد تعددت أشكال الإنتقال من الأنظمة السلطوية إلى الشكل الديمقراطى التعددي. وقد كان هذا التحول في بعض الأحيان يتم بإسقاط النظام القديم عن طريق القوة، إما

بواسطة قوى داخلية، كما حدث فى تشاد و رواندا، أو عن طريق تدخل أجنبى كما حدث فى نيكاراجوا وهاييتى. وأحياناً أخرى عن طريق تطور سلمي سواء أتم التحول من داخل النظام القمعي نفسه، كما حدث في الإتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية وأسبانيا، أو عن طريق ضغوط تؤدي إلى التوصل لحلول توفيقية ينتهي بها النظام القديم، دون أن يكون قد إنهزم في الصراع. يفرض التحول الديمقراطى بغض النظر عن كيفية التوصل إليه، تفكيك النظام القديم، وبناء نظام يقوم على سيادة حكم القانون، والمحاسبة والشفافية. وفي كل الأحوال وسواء تم الإنتقال بشكل سلمي، أو بإنتزاع السلطة عن النظام القديم، فإن تحول النظام إلى حكم القانون ،يقتضى أن تتم معالجة للمسائل التي تمت فيها تجاوزات أدت للإضرار بمواطنين أبرياء.

وهذا ما يدعو للتدخل بغرض تصحيح أخطاء الماضى فيما يتعلق بإنتهاكات حقوق الإنسان كمسألة ضرورية للتأسيس لحكم القانون، وإحترام حقوق الإنسان. وهذا ما نطلق عليه مصطلح العدالة الإنتقالية، والتى تتمثل فى رفع الظلم عن كل من تعرض لإنتهاك لحقوقه عن طريق السلطة التحكمية للدولة، أو عن طريق أفعال خارجة عن القانون، قامت بها حركات المعارضة أثناء محاولتها إنتزاع السلطة من النظام القديم .وهناك طريقان لمعالجة ذلك الطريق، الأول هو الطريق القانوني، وذلك بأن يقوم كل من تعرض لإنتهاك من هذه الإنتهاكات، بإتخاذ إجراءات قانونية بغرض تصحيح الوضع، إما بإعادة الحال إلى ما كان عليه، أو بالتعويض ومعاقبة المسئولين عن ذلك. والثاني هو الطريق التصالحي, وأحسن مركبة توفر هذا الطريق التصالحى هي ما عرف بلجان، أو مفوضيات الحقيقة والمصالحة، والتي تكونت في أكثر من ثلاثين دولة إنتقلت من أنظمة سلطوية إلى أنظمة ديمقراطية. والسودان الآن يمر بهذه المرحلة إذ أن النظام المؤسس على دستور 2005 لم يفلح في توفير الحريات العامة وسيادة حكم الدستور، وباقي المتطلبات لإحلال السلام في أنحاء القطر المختلفة. وإنتهى الأمر بإنفصال الجنوب، وظهور نظام تتركز فيه السلطات على حساب الحريات العامة. وبغض النظر عن الأسباب السياسية الي أدت لذلك، لم تتولد عن إتفاقية السلام الشامل سلاما، فقد إنتهت حرب الجنوب بالإنفصال لتحل محلها حروب تحولت بسببها مناطق مختلفة من البلاد إلى ساحات للقتال والعنف المتبادل، شملت دارفور والمنطقتين وبعض مناطق شرق السودان. إعتمدت الحكومة القائمة أساليب سلطوية للحكم، لا تبررها الأحكام الدستورية التي تحكم بموجبها، وقد عرقلت تلك الأساليب إحلال السلام رغم دخول الحكومة في عدد من إتفاقات السلام مع الحركات المسلحة المختلفة. وقد شهدت فترة الحرب في تلك المناطق بالضرورة تجاوزات لحقوق الإنسان من الطرفين. إذ لا يمكن لحرب أهلية أن تخلو من التجاوزات . الحكومة الآن مقبلة على مفاوضات مع الحركات المسلحة المختلفة بغرض تحقيق السلام الشامل. هذا السلام لن يتحقق ما لم يواجه الأخطاء التي أدت للنزاع المسلح وأيضا معالجة المرارات التي أفرزها بالضرورة ذلك النزاع المسلح. فالواقع الآن يحمل كثير من الأخطاء التي تتطلب معالجة تضمن العدالة للضحايا، وتمنع تكرار أخطاء الماضي خاصةً بعد تفعيل المبادئ الديمقراطية التي كانت مجمدة في الفترة السابقة، التي تلت إنفصال الجنوب. المقصود من هذه المقالة الدعوة لتضمين الأسلوب التصالحي لحل النزاع، والذي لم يتم اللجوء إليه عند إنتهاء حرب الجنوب رغم النص عليه في الدستور، في المادة 21 حين ذكرت بتدر الدولة عملية شاملة للمصالحة الوطنية وتضميد الجراح من أجل تحقيق التوافق الوطني والتعايش السلمي بين جميع السودانيين. . هذا الحل التصالحي هو الذي الذي يهدف عن طريق إظهار الحقائق كلها فيما يتعلق بإنتهاك حقوق الإنسان، إلى تحقيق مصالحة وطنية تضمن منع تكرار هذه الأفعال، بدلاً من مجرد توقيع العقاب على من إرتكبها .

البحث عن حل خارج الحل القضائى

إن الوضع العادى هو أن تتولى المحاكم العادية محاكمة المسئولين عن الإنتهاكات من الجانبين. ولكن هنالك إعتبارات عديدة تحول دون ذلك. فمن الناحية السياسية فإن ذلك قد لا يلائم الهدف من تحقيق المصالحة الوطنية، لأن المحاكمات لن تساعد على المصالحة ونسيان الماضي والعمل من أجل المستقبل

ومن الناحية الواقعية فإن المحاكم قد تعجز عن توفير العدالة، خاصة إذا كانت الجرائم من الكثرة بحيث لا يمكن للنظام القضائي أن يتولاها. وهو ما يحدث عقب حرب أهلية طويلة وقد لا يكون النظام القضائي بعد فترة من النهج الشمولي له قدرة على تطبيق العدالة بالحياد المطلوب لذلك فإن لجان الحقيقة قد توفر العدالة بشكل أكثر حين تكشف الإنتهاكات وتسمى الأسماء. ولكن لا يجب أن ننظر لهذه اللجان فقط بإعتبارها بديلاً للمحاكم حين يحول مانع بين المحاكم وبين أداء دورها. فحقيقة الأمر أن لهذه اللجان أهمية بغض النظر عن وجود المحاكم وذلك لأن معرفة الماضي وكشفه كفيل بعدم تكراره. لذلك فقد نشأت لجان الحقيقة جنباً لجنب مع المحاكم في تيمور الشرقية وسيراليون ويكون الأمر أكثر جدوى عندما يكون الضحايا بالخيار في اللجوء إلى المحكمة، أو قبول الإعتراف وطلب العفو، ويكون للجنة الحقيقة سلطة منح العفو مقابل الكشف عن الحقيقة كاملة .وبالطبع فإن الأحسن والأجدى هو العفو متى كان ذلك ممكناً .

تحقيق العدالة بوسيلة مختلفة

وقد يبدو إختيار لجان الحقيقة إسقاط لخيار اللجوء للعدالة، وهو بالفعل كذلك، ولكن ذلك الخيار ليس إنكاراً للعدالة، بل هو تحقيق لها بوسيلة مختلفة. فالعدالة لا تتحقق بالعقاب وحده كما و أن العقاب يمكن تحقيقه بنشر الجرائم وأسماء مرتكبيها naming and shaming the abusers و إن كان ذلك لم يكن نهجاً عاماً للجان الحقيقة والمصالحة. فبعض اللجان إمتنعت عن ذلك ولكن بعضها نشرت الإنتهاكات بأسماء فاعليها، ومنها لجنة جنوب أفريقيا التى قامت بذلك وهو النهج الذي نرى أن تقوم لجنة الحقيقة والمصالحة السودانية عليه.

أهمية العفو فى تحقيق المصالحة

مسألة العفو أيضاً تلعب دوراً هاماً في المصالحة. وهذا العفو يجب أن يكون على مستويين المستوى الرسمي، والمستوى الشخصي. بالنسبة للضحايا الذين يجب أن يكون لهم حق العفو فإن لم يرغبوا في ذلك لهم حق المطالبة بالتعويض المدنى دون الجنائى، وذلك لأسباب مبدئية وعملية. فمن الناحية المبدئية يلزم الإعتراف بحق الضحايا فى المطابة بحقوقهم القانونية، ومن الناحية العملية فإن منعهم من ذلك تحول دونه صعوبات قانونية لما قد يؤدى إليه من مخالفة لبعض المبادئ الدستورية المتصلة بالعهود الدولية. فالمادة 3 (أ) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية مثلاً تلزم الدول" بأن توفر علاج فعال لكل من إنتهكت حقوقه التي يعترف بها ذلك العهد حتى ولو تم إنتهاك تلك الحقوق بواسطة رسميون في الدولة .وأن توفر لكل من يسعى لذلك الحق في أن تصل دعواه جهة قضائية أو إدارية مختصة وفقاً للنظام القانوني للدولة وأن تنمي إمكانيات التظلم القضائي "وهذا يعني أن العفو والذي يمنع نظر تظلمات الضحايا ودعاويهم يخالف المادة 3 – 2 من العهد الدولي مقروءة مع المادة 27 (3) من الدستور. لكل ذلك فإن الإعتراف بحق الضحايا فى المطالبة بالتعويض المدني والذى يحقق المساءلة المطلوبة دولياً ودستورياً هو أمر لا يجوز مصادرته.

كذلك فإن هنالك صعوبة في مسألة التعذيب والذي يمنع العهد الدولي الخاص به العفو عنه. لذلك فإن تطلب العفو على المستوى الشخصي بالنسبة للضحايا يتفق مع الأحكام الدولية، كما وأنه يساعد بدرجة أكبر على المصالحة، ونسيان الماضى، و يساعد على أن تقوم لجنة الحقيقة والمصالحة بواجبها كاملاً بكشف الحقيقة، وتحقيق المصالحة. ونرى هنا الأخذ بتجربة جنوب أفريقا حيث منحت لجنة الحقيقة والمصالحة الحق في منح العفو مقابل الشهادة. وفي رأيى أن كشف الحقيقة كاملة هو شكل من أشكال العقوبة، لأنه يحمل العنصرين المتطلبين فى العقوبة، فهو من جهة إيلام مقصود، وهو من جهة أخرى يحقق إعادة تأهيل الجانى، ودرء الخطورة الإجرامية فيه، عن طريق إلزامه بمواجهة فظاعة ما إرتكب علناً، وهو أهم من العقاب التقليدى لما يلعبه من دور في المصالحة الوطنية، والبعد عن تكرار ما حدث، على أن تقتصر سلطة اللجنة على العفو من الملاحقة الجنائية، ويظل من حق الضحايا اللجوء للخيار المدني لو شاءوا. ويلاحظ هنا أن العفو العام الذى يصدره رئيس الجمهورية إذا صاحب الإتفاق عفواً، لا يسقط الحقوق الخاصة وإنما هو إسقاط للحق العام فحسب، كما وأنه لا يغطى الإنتهاكات التى قام بها الرسميون. لذلك فمن الأوفق الوصول لنظام لا يقفل الطريق أمام الضحايا نهائياً، لأن ذلك يخالف الدستور والقانون الدولي، و لكن يعمل على تشجيع الضحايا على العفو وترك المجال المدنى مفتوح.

لا شك أن المصالحة الوطنية الشاملة تؤدي للسير في تأسيس نظام يقوم على حكم القانون، ومبادئ الإنصاف ويبدو هنا أن العفو يلعب دوراً هاماً في التوصل لتلك المصالحة. وقد درست الباحثة المتخصصة عن حقوق الإنسان هيلينا كوبان في كتابها Amnesty after atrocity: Healing nations after genocide and war crimes درست هذه الباحثة حالة ثلاث دول أفريقية مرت بتجارب إنتهاكات لحقوق الإنسان وهي رواندا وموزمبيق وجنوب أفريقيا و فى رواندا والتي إنتهت الحرب الأهلية فيها بإنتصار ساحق للجبهة الوطنية الرواندية والتي أنهت إبادة التوتسى تم اللجوء إلى محاكمات واسعة النطاق لمرتكبي الفظائع إلا أن تلك الدولة لم تستطع أن تجري إنتخابات حرة واحدة على المستوى الدولي المقبول بعد إنتهاء الحرب الأهلية في حين أن موزمبيق حيث توصل الطرفان المتحاربان إلى إتفاقية السلام العام General Peace Agreement والتي نصت على عفو عام عن جميع مرتكبي الإنتهاكات قد تمكنت من إجراء ثلاث إنتخابات حرة عقب المصالحة وقد إختطت جنوب أفريقيا خطاً وسطاً بين الطرفين فرغم أن الإتفاق نص على عفو عام إلا أن القانون بعد ذلك منح العفو فقط لمن يطلبه وبشرط الإفضاء عن الحقيقة كاملة ولكن خيار المحكمة فى واقع الأمر لم يكن كثير الحدوث و قد تمكنت جنوب أفريقيا أيضاً من إجراء ثلاث إنتخابات شهد لها العالم بأنها إنتخابات حرة .ويعنى هذا أن خيار المحكمة والذى قد يبدو أقرب للعدالة لا يبدو أنه يوفر ضماناً لإقامة حكم القانون وسلوك السبيل الديمقراطى مما يجعلنا نميل للخيار الذى يوفر المصالحة وهو خيار لجان الحقيقة والمصالحة و نقترح أن يؤخذ فى الإعتبار فى تكوين اللجنة السودانية الإعتبارات التالية بالنسببة لإنشائها وسلطاتها وتكوينها وطريقة عملها .

أولاً: سلطة إنشاء اللجان

يجب أن تنشئ الدولة لجنة الحقيقة والمصالحة بقانون يخولها التحري في إنتهاكات حقوق الإنسان والتي تكون أجهزة الدولة أو موظفوها والحركات المعارضة قد تورطت فيها فى فترة معينة وهذه اللجنة يجب أن تكون رسمية و يكون لها صلاحية فحص المعلومات الرسمية وسماع الشهود وإجبارهم على أداء الشهادة وذلك لكي يكون لها فاعلية لأن إنشاءها بواسطة الدولة يحمل إعترافاً من الدولة بتورطها في الإنتهاكات في فترة ماضية وقبولاً لإصلاح ذلك الوضع وفيه تطمين للشهود بأنهم لن يتعرضوا للأذى نتيجة لإدائهم لشهاداتهم و لايبدو لنا أن اللجان غيرالرسمية أو الأهلية لها فاعلية تبرر تبنيها ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى اللجنة التي أنشأها مطران ساوباولو بدعم من مجلس الكنائس العالمي لتقصي الحقائق حول إنتهاكات حقوق الإنسان في البرازيل أثناء الحكم العسكري ولكن هذه اللجنة لم تصادف نجاحاً يدعو للدعوة بالأخذ بذلك الحل و نستثنى من ذلك اللجان التى تكونها الأحزاب نفسها على غرار اللجنتان اللائى أسسهما حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وهو الحزب الحاكم في جنوب أفريقيا في بداية التسعينات للتحقيق في إنتهاكات حقوق الإنسان التي قام بها أعضاء الحزب أثناء حرب التحرير وهو الأمر الجدير بالثناء والذى لا بد أن يساهم فى تحقيق المصالحة وقبول العفو ويعتبر الإعتذار الذى قدمه السيد باقان أموم نيابةً عن الحركة الشعبية للشعب السوداتى مؤخراً خطوة فى الإتجاه الصحيح.

ويجدر بنا أن نذكر أنه قد تكونت لجان حقيقة في مستوى أقل من قومي ففي شمال كارولينا مثلاً تكونت لجنة حقيقة بغرض التحري في جرائم القتل لأسباب عنصرية التي قام بها في فترة معينة جمعية الكوكلكس كلان والحزب النازي الأمريكي وقد يكون تخصيص لجان حقيقة قى مناطق بعينها مناسب لظروف السودان حيث يمكن للقادة المحليين أن يلعبوا دوراً هاماً لمعرفتهم بدقائق النزاع و بالأعراف المحلية التى توفر سبل المصالحة ولكن ذلك لا يجب أن يؤدى لتكوين أكثر من لجنة بل يجب أن يتم ذلك فى إطار تقسيمات داخلية للجنة واحدة حتى لا تستبعد أى منطقة من عمل اللجنة ككل وحتى يستفيد المحليون من خبرة الخبراء والشخصيات العامة باللجنة وذلك مع إستثناء دارفور والتى نأمل أن ينتهى فيها الصرع قريباً والتى ستحتاج للجنة خاصة بها يراعى فى تشكيلها أن تضم بالإضافة إلى العنصر المحلى الغالب شخصيات وطنية.

أغلب لجان الحقيقة والمصالحة التي تم تكوينها بواسطة الدول المختلفة تمت عن طريق قرارات جمهورية ولكنى أفضل أن يقوم البرلمان بتكوينها وذلك حتى يمكن أن يتم تشكيلها بموافقة التجمعات السياسية المختلفة ومن أهم ما يواجه تأسيس اللجان من مشاكل مسألة إختيار أعضاء اللجنة فإذا تكونت اللجان من جانب الجهة المنتصرة فإنها تكون متحيزة وأقرب مثل لذلك اللجنة التي كونت في تشاد عام 91 للتحقيق في الفترة من 1982م وحتى 1991م وهي فترة حكم الرئيس حسين حبري فقد كانت اللجنة مكونة من جانب واحد وقد كان عملها مجرد محاولة لإدانة النظام القديم وتبرير النظام الجديد ولم يتم التعامل معها بجدية بل إعتبرت أحد أجهزة الدعاية للسلطة الجديدة.

وتكوين اللجنة من الجانبين أيضاً قد لا يؤدي للنتيجة المرجوة ففي شيلي حيث تم تكوين اللجنة بين أنصار بينوشيه ومعارضوه كانت النتائج غير حاسمة ورغم ذلك رفض العسكريون النتائج التي توصلت لها اللجنة ويبدو أن الطريقة المثلى هي تكوينها من شخصيات مقبولة للجميع من حيث النزاهة والإبتعاد عن السياسة الحزبية حتى ولو كانت لهم مواقف سياسية معروفة ففي السلفادور مثلاً تم تعيين اللجنة بواسطة السكرتير العام للأمم المتحدة بموافقة كل الأطراف من رئيس كولومبي سابق ووزير خارجية فنزويلي سابق ورئيس سابق لمحكمة حقوق الإنسان في القارة الأمريكية وجميعهم يحظون بإحترام كل الأطراف .كذلك لا بد من أن تضم اللجنة بعض الشخصيات التى تحظى بالإحترام فى مناطقها المحلية حتى ولو لم تكن معروفة على النطاق القومى حتى يمكن لها إجراء المصاحات فى النزاعات ذات الطبيعة المحلية.و اقترح فى هذا الصدد تكوين لجان فرعية ذات صبغة محلية تتبع اللجنة الأم و ذلك مع مراعاة ما ذكرناه حول دارفور.

ثانياً : سلطات اللجنة

الأفضل أن تمنح لجنة الحقيقة السلطة في التحقيق في كل ما يتصل بإنتهاكات حقوق الإنسان وأن تكشفها و لكي تتمكن اللجنة من كشف كل جوانب الحقيقة يجب أن تعطي سلطات كاملة للوصول إلى كل المعلومات الرسمية وكذلك إجبار الشهود على تقديم البينات ومنحها سلطة منح العفو حتى تستطيع أن تتوصل للحقيقة ولكن عادة تتدخل السياسة للحد من ذلك خاصة حين يظل للنظام القديم يد في النظام الجديد وهو وضع نجد أنفسنا فيه فالمؤتمر الوطني الذي كان يحكم بطريقة شمولية هو الحزب الغالب الآن وما لم يقتنع بأن السبيل الوحيد للمصالحة الحقيقة يكمن في إزالة مرارة الماضي وتحقيق العدالة فإن لجنة الحقيقة والمصالحة قد تجد نفسها مواجهة بعراقيل من صنع السلطة . وما يقال عن المؤتمر الوطني يقال أيضاً الحركة الشعبية فهى الآن في السلطة خاصة بالنسبة لجنوب السودان والذى شهد اغلب أعمال القتال التى خاضتها الحركة ولا شك أن هنالك إتهامات بإرتكابها لجرائم حرب وإنتهاكات لحقوق الإنسان في المناطق التي كانت تسيطر عليها ومناطق القتال لذلك فيلزم أن تقتنع أيضاً بضرورة كشف الحقيقة بغرض التصالح مع الذات ومع الغير .

وكل هذا يتطلب منح اللجنة وضعاً قانونياً يعطيها الحياد والإستقلالية ويمنع تدخل السلطة فى عملها.

ثالثاً مدة عمل اللجنة

وهذه اللجان بطبعها لجان مؤقتة يتعلق عملها بفترة ماضية وينتهي في فترة محددة ليست بالطويلة (تتراوح عادة بين ستة أشهر لعامين) ونقترح عام واحد حتى يقدم التقرير مع نهاية الفترة الإنتقالية على أن تحقق فى الإنتهاكات التى تمت فى الفترة من 30 يونيو89 وحتى قيام حكومة الوحدة الوطنية.

رابعاً :إجراءات اللجنة

بعض اللجان كانت ملزمة بالسرية والبعض الآخر كانت تعقد جلسات علنية ونرى أن نتبنى الجلسات العلنية رغم ما فيها من إحتمال توجيه إتهامات غير مؤسسة والخشية التي تكون عند الشهود عندما تكون شهاداتهم موجهة ضد من لا يزالون في السلطة ولكن علنية الجلسات هي التي تحقق الغرض من تكوين اللجنة وهو كشف الحقيقة .

خامساً: التقرير الختامى

تظهر أهمية اللجنة في مسألتين الأولى التقرير الختامي والثانية إصلاح الأخطاء والتقرير الختامي للجنة يجب أن يتضمن الإصلاحات التي ترى إدخالها على القوانين والأجهزة المختلفة التي ساهمت في جرائم الفترة موضوع الدراسة وكلما تمكنت اللجنة من إكتشاف حقيقة ما حدث كلما أصبحت في وضع يمكنها من وضع توصيات تقود إلى منع تكرار حدوث تلك الجرائم وهذه التوصيات يجب أن تكون من شأنها أيضاً تمكين الأطراف من التعافي وفق نظام جديد يمنع الإنتهاكات