تحليل - اديسون جوزيف

منذ تفجر الحراك الثوري بالسودان في 13 ديسمبر من العام الماضي بداية بمدينة الدمازين وما زالت التظاهرات الشعبية ضد نظام البشير وحكم المؤتمر الوطني مستمرة،

وزادت قوة التظاهرات وإتسع نطاقها وحتى عمت جُل المدن والأرياف بالسودان، كما انتظمت قطاعات مهنية في الحراك مما قد يؤدي الى إمكانية سقوط نظام البشير وإحداث تغيير في التركيبة السياسية للدولة السودانية.

مشروعية سقوط البشير طرح تساؤلات من قبل كثيرين حول مصير اتفاقية السلام بجنوب السودان والتى وُقعت في سبتمبر من العام الماضي بالعاصمة السودانية الخرطوم عقب مفاوضات برعاية الوساطة السودانية، هذه التساؤلات منطلقة من فرضية ان البشير هو راعي للإتفاقية وضامن أساسي لها، وأى تغيير في وضعيته قد تؤثر بقوة على مصير الإتفاقية.

علاقة نظام البشير بالصراعات في جنوب السودان

لا يمكن الإجابة على تلك التساؤلات دون التطرق الى دور نظام البشير في الحرب بجنوب السودان بصورة خاصة، والاقليم بصورة عامة. نجد علاقة نظام البشير بالحرب فى جنوب السودان تعود الى زمن عندما كان السودان دولة واحدة حيث كان نظام البشير يشن حربه ضد الحركة الشعبية لتحرير السودان المتمردة على النظام، فإدار نظام البشير المعركة العسكرية ضد الحركة الشعبية باللجوء لإستخدام سلاح المليشيات من أبناء الجنوب للقتال بجانبه مما أدى الى خلق تحالفات ومصالح مشتركة بين نظام المؤتمر الوطني وتلك المليشيات.

بعد ميلاد دولة الجنوب السودان في عام 2011، عمل نظام البشير لنسف إستقرار جنوب السودان بمحاصرة الحكومة الجديدة اقتصادياً لتقديم صورة للرأي العام بفشل نموذج الدولة الخارجة عن سلطته، مستفيداً من أخطاء حكومة الحركة الشعبية لتحرير السودان في المجالات المختلفة من غياب للإنتاج والتنمية وفشلها في المعالجة السلمية للصراعات بين المجتمعات، حيث نوع من أشكال إفشال الدولة الوليدة عبر قفل الطرق التجارية التى تمد الجنوب بالعديد من المنتجات الأساسية من الشمال، بالإضافة الى الدعم العسكري للأطراف التي تحارب ضد الحكومة، وشكل عامل محاربة الحركات المسلحة في مناطق النزاع بالسودان "جبال النوبة والنيل الازرق ودرافور" سبب اضافي لدعم حكومة المؤتمر الوطني لكل من يرفع سلاح ضد حكومة الجنوب.

تجدر الإشارة الى دعم حكومة المؤتمر الوطني لعديد من الحركات المسلحة في الاقليم مثل جيش الرب اليوغندى، وجماعة السيلكا في افريقيا الوسطي، وحركة الجهاد الارترية، والجماعات الجهادية في ليبيا، وتوضح تلك الأمثلة ان نظام البشير لا يحترم مبادئ حسن الجوار مع دول الإقليم في سياستة الخارجية ويسعى الى نشر الفوضى وعدم الإستقرار فى المنطقة بغاية خلق أنظمة موالية له فيها.

إستغلال نظام البشير للتناقضات في جنوب السودان ظهر بشكل واضح بعد اندلاع الحرب بين فصائل الحركة الشعبية لتحرير السودان، التنظيم الحاكم في عام 2013، بدعمه السياسي للطرف الحاكم، لمصالح متعلقة بالبترول وأيضاً وفر دعماً عسكرياً للطرف المعارض لأستمرار الحرب لأطول فترة ممكنة. نجد مشاركة نظام البشير بهذا الشكل الواضح أدى لإستبعاد دولة السودان ويواغندا من وساطة السلام لإيقاف الحرب بجنوب السودان لتورطهم المباشر فيها.

تم التوقيع على اتفاقية السلام برعاية الإيقاد في عام 2015، بين الحكومة جنوب السودان والمعارضة العسكرية والتى إنهارت بعد تجدد الاشتباكات بين الطرفين في العاصمة جوبا عام 2016، مما ادى الى طرح الإيقاد لمبادرة في عام 2017 تحت مسمي إحياء وتنشيط اتفاقية السلام.

وبالفعل بدأت جهود تنشيط للأتفاقية بلقاءات حتي تُوجت بالتوقيع على وقف إطلاق النار بين كل الأطراف، ثم بعد ذلك إنطلقت عدة جولات للتفاوض بالعاصمة الاثيوبية أديس ابابا إلا أنها  وصلت لطريق مسدود بعد فشل الأطراف فى الوصول لإتفاق حول القضايا الخلافية، بالتحديد السلطة والثروة. بعدها لجأت منظومة الإيقاد الى تكتيك مختلف لإنجاح مبادرة إحياء الاتفاقية بإشراكها في الوساطة للدول المتورطة في الصراع، السودان ويواغند وقد تزامن ذلك مع جهود المجتمع الدولي لإيقاف النزاعات فى المنطقة كوسيلة لإيقاف تدفق اللاجئين الى أروبا،  إضافة لإشتراط أمريكا للبشير بضروة وقف الحرب في جنوب السودان كإحدي شروط رفع السودان من قائمة الدول الرعاية للإرهاب. كل تلك العوامل ساهمت في تحويل ملف إيقاف الحرب في جنوب الى السودان تحت رعاية حكومة السودان بقيادة البشير، وهذا وفق تفاهمات بين البشير وموسفيني الرئيس اليوغندي.

بالنسبة للإيقاد والمجتمع الدولي فالسودان يمتلك كروت سياسية عديدة تمكنه من الضغط علي الحكومة والمعارضة العسكرية فى حال إستخدامها للتوقيع على اتفاق سلام، أما بالنسبة لحكومة البشير فإن إتفاق السلام يمثل فرصة ذهيبة لإنعاش خزينة حكومته التي تواجه أزمة إقتصادية طاحنة بعد توقف دول الخليج من دعم النظام مالياً إلى جانب العامل الأمني محاصرة الحركات المسلحة السودانية في المناطق الثلاثة.

تلك المصالح المباشرة لحكومة البشير في إتفاقية سلام جنوب السودان، أجبرت نظام البشير على بذل مجهود ضخم لإنجاز إتفاق السلام، حيث قامت الوساطة ممثلة في حكومة البشير بإستخدام كل كروت الضغط لحث الأطراف على التوقيع علي الملفات الشائكة، مثل برتكول الترتبيات الأمنية، والسلطة والثروة.

لم يكن تجاوز تلك القضايا إنتصار للمجهود الاحترافي للوساطة السودانية وانما لحجم الضغوطات والتهديدات على الاطراف بالتوقيع، حيث أكد عدد من أعضاء الوفود المفاوضة للحركات المسلحة تعرضها للتهديدات من الوساطة السودانية للتوقيع. وتجدر الأشارة إلى أن نظام البشير وفر كثير من التسهيلات لتلك الحركات خلال فترة حربها ضد حكومة الجنوب، وقد وصل حجم التهديد الى الطرد من الاراضي السودانية وتسليمهم لحكومة الجنوب في جوبا.

مما سبق نستنتج أن مجهود حكومة البشير للوصول للاتفاق سلام في جنوب السودان ليس من أجل رغبة البشير ونظامه في تحقيق السلام والاستقرار في جنوب السودان، وإنما الحصول على المصالح المباشرة، فمتي ما وجد نظام البشير بدائل أفضل لتلك المصالح غير الجنوب يمكن للبشير ان يرمي بإتفاق سلام الجنوب في سلة المهملات.

مسارات الانتفاضة السودانية وأثرها على إتفاق سلام جنوب السودان

يدخل الحراك الثوري بالسودان شهره الثالث مع سخونة التظاهرات والإعتصامات الجزئية للفئات المهنية، فاتحاً المجال الى شكوك فى إمكانية إستمرار حكم البشير وحزبه المؤتمر الوطني للسودان. نجد الحراك بقيادة تجمع المهنيين السودانبين وحلفائه من القوى الموقعة على اعلان الحرية والتغير التي تضم كل القوى السياسية المعارضة والحركات المسلحة وتحالف منظمات المجتمع المدني وحركات المقاومة الشبابية والتجمعات المطلبية، حيث أن سقف المطالب تتمثل في اسقاط نظام البشير واقامة حكومة انتقالية، لتنفيذ كل الأهداف الورادة في اعلان الحرية والتغير. فوفقاً للإعلان تعمل الحكومة الانتقالية على تحسين العلاقات الخارجية للسودان مع إيلاء أهمية خاصة لدولة الجنوب السودان.

وفقاً لمؤاشرات الواقع في السودان فإن الحراك الثوري القائم فُرصته كبيرة في اسقاط نظام البشير وإقامة بديل ديمقراطى يعبر عن رغبات وطموحات الشعب السودانى، مما يفتح الباب لتساؤلات حول مستقبل إتفاقية سلام الجنوب في ظل المتغيرات الميدانية وامكانية فقدان البشير للسلطة. هناك مخاوف من بعض الناس ان سقوط البشير يعني إنهيار أهم ضامن للإتفاقية، تلك المخاوف مستندة على فرضية لعب البشير دور كبير في إقناع الحركات المسلحة المعارضة بالتوقيع على الاتفاقية، وقد وقعت تلك الحركات بضمان وتعهد البشير. الفرضية مبنية على العاطفة بشكل اساسي رغم استنادها علي مثال واقعي أن البشير وقع كضامن للإتفاقية باعتباره ممثل لحكومة السودان وليس حزب المؤتمر الوطني.

إذاً سقوط البشير لايعنى إنعدام الضامن، بمعنى أن أي رئيس قادم للسودان يمكن ان يحل محل البشير. كان يمكن لتلك المخاوف ان تكون صحيحة إذا بديل البشير لدية موقف عدائية تجاة جنوب السودان لكن على العكس القوي البديلة مستندة علي ارث تقدمي وهي في الحقيقة صديقة وحليفة لمطالب الجنوب مُذ كان السودان دولة واحدة. نجد التجمعات المهنية والتنظيمات التقدمية والعلمانية والحركات المسلحة بما فيها الحركة الشعبية شمال فمكاسب الجنوب ستكون أكبر بعد سقوط البشير، من حريات أربعة وجنسية مشتركة وإمكانية تحقيق كونفدرلية بين الدولتين وهذه أفضل بكثير من الإتفاقيات الهشة التي تخضع لمزاج البشير اكثر من مصالح الشعبين.

اما من ناحية الاستقرار فان سقوط البشير ونظامة يفتح الباب أمام حل سلمي للحرب في المناطق الثلاث (جبال النوبة، النيل الازرق ودافور) فإعلان الحرية والتغيير وجد الدعم من أغلب تلك الحركات وجزء منها قد وقع عليه. السلام في المناطق الثلاث يفتح الطريق للإستقرار في المناطق الحدودية مع الشمال وهذا بدوره يؤثر ايجابياً علي الجنوب، بخاصةً الجزئية المتعلقة بدور البشير في اقناع الحركات المسلحة المعارضة بالاتفاق وان البشير هو ضامن لمشاركتها في تلك الاتفاقية، هذا الكلام يصور تلك الحركات كأنها صناعة البشير وليس لديها اي نوع من الاستقلالية في اتخاذ القرارات، وهذا غير صحيح، فهناك ظروف أوجدت تلك الحركات وتستمد زخمها السياسي من قضايا داخلية مثل تظلمات المجتمعات المحلية والصراع علي السلطة بين القيادات السياسية للحركة الشعبيىة، نعم لديها تقاطعات مصالح مع نظام البشير لكنها مجتمعات حاضنة لحراكها العسكري ومسألة ايقاف دعم البشير لها  لايعني نهايتها، وخير مثال لذلك حركة جبهة الخلاص بقيادة توماس شريلو التي رفضت التوقيع علي اتفاقية السلام وصمدت تجاة ضغوطات وساطة حكومة البشير، التى تحارب الان قوات الحكومة في مناطق الإستوائية الوسطي التي تتركز فيها مراكز ثقلها السياسي، وتقوم مجتمعات تلك المناطق بدور حاضنة وحماية للحركة. بإمكان تلك الحركات المواصلة في تنفيذ الاتفاقية الضامن الاساسي لها جماهير المجتمعات التي تساندها ورغبتها في السلام والاستقرار. الضغوطات التي مارستها حكومة البشير عليها للتوقيع كان نتيجة لاستجعال حكومة البشير فى البدء الإتفاقية لتشغيل حقول البترول وإختلال موازين القوة العسكرية لصالح الحكومة بالجنوب، فربط مشاركة الحركات بوجود البشير موقف فطير يسعي من خلاله المستفيدين الجنوبيين من نظام البشير على تبرير مواقفهم الداعمة لإستمرار البشير في السلطة.

هناك سؤال مهم يجب الإجابة عليه لتحديد مدي تأثير سقوط البشير وحزبه علي سير الإتفاقية، هل تنفيذ الاتفاقية مرتبط بوجود البشير في السلطة؟ وماهي إلتزامات حكومة البشير تجاة الاتفاقية؟ للإجابة علي هذه التساؤلات يجب العودة لنصوص الإتفاقية لمعرفة هل نصت علي ذلك، ومن خلال عرض نصوص الإتفاقية ليس من ذكر للمؤتمر الوطني كأحد آليات تنفيذ الاتفاقية، وانما ذكر الخرطوم كموقع جغرافي لعقد الورش المتعلقة بتنفيذ الإتفاق كما هو واضح في مصفوفة تنفيذ الإتفاق فيما يختص بالتمثيل في المؤسسات والآليات المعنية وليس هناك ذكر للمؤتمر الوطني كممثل بل هي الإيقاد الممثل في تلك الهياكل وليستالدول. قد يكون وجود البشير في السلطة مرتبط بتنفيذ عدة صفقات مع سلفاكير وموسفيني، وهى بالتاكيد غير منصوص عليها في الإتفاقية.

شعب جنوب السودان هو المستفيد الأكبر من سقوط نظام البشير، وسيجني ثمار الإنتفاضة مع شقيقه في الشمال، وسيستمتع بمزيا انهيار النظام الذي قسم وزرع الفتنة والكراهية بين الشعبيين، وساهم في معاناة الجنوب والشمال وشرد وقتل  ابناؤهم،ونهب ثروات وخيرات البلاد.بالتاكيد سقوط نظام البشير سيكون نقطة قوة لإتفاقية السلام بإنهيار النظام الذى يعمل من أجل خلق فوضي في المنطقة ويخلق عدم استقرار في الجنوب.

Pin It