محمد أحمد شقيلة - محاضر - قسم العلوم السياسية -جامعة بحري

استطاع مشروع أو مقترح الوثيقة الدستورية أن يجد تلك المعادلة التي تزيل للعسكر مخاوفهم وايجاد مجلس تشريعي (برلمان) بسلطات قوية في اصدار وتعديل والغاء القوانين في نفس الوقت، وذلك اعتمادا على نظرية (رابح.. رابح) وليس نظرية (رابح وخاسر).

إن المجلس العسكري، بشكلٍ عام، لا يريد (طوال الفترة الانتقالية) ان يمس المجلس التشريعي بسلطته:

* الاجهزة الامنية المختلفة وأن تكون تحت مسئولية العسكريين اشرافا واعادة هيكلة.

* عدم المساس بقوات الدعم السريع حلاً او دمجاً لها في القوات المسلحة.

* عدم اعادة القوات السودانية المقاتلة في اليمن أو التداول في هذا الشأن.

وهي المخاوف التي دعت المجلس العسكري في الفترة السابقة لان يطالب بتقليل حصة قوى الحرية والتغيير في المجلس التشريعي الى 50٪ ومشاركة أحزاب الفكة، وأن تكون سلطة البرلمان الانتقالي رقابية، بمعنى ان لا تكون له سلطة اصدار قوانين (برلمان صوري/ برلمان بصمة ذي بتاع ناس بشة داك).

بالمقابل قوى الثورة تريد برلمان حقيقي قوي بسلطات حقيقية، بداية لانه لا يمكن تفكيك الدولة العميقة الا بقوانين، فهي قد صُنِعت عبر قوانين مكّنت لها، وهذا بجانب أن عملية البناء الوطني المرتقبة تحتاج لان يصدر البرلمان ويلغي ويعدّل العديد من القوانين، ودون تنازل عن الدور التشريعي أو نسبة 67٪ لقوى الحرية التغيير.. ولا مجال لمشاركة أحزاب الفكة.

هكذا جاءت الوثيقة الدستورية لتزيل مخاوف المجلس العسكري (التي يرفض بسببها تأسيس برلمان بسلطات حقيقية) بأن وضعت تحت يد العسكريين أنفسهم مسئولية الاجهزة الامنية والاتفاقات الخارجية ذات الصبغة العسكرية والامنية (وليس بيد البرلمان)، وبذلك لن يكون للمجلس العسكري، منطقياً، مانع في أن يكون البرلمان ذو سلطات تشريعية حقيقية، وان تاخذ قوى الحرية والتغيير ثلثيّ مقاعده، وذلك طالما ان هذا البرلمان ليس من سلطاته اصدار اي قوانين تمسّ الاجهزة الامنية او مشاركة القوات السودانية في حرب اليمن، وذلك طوال الفترة الانتقالية، وكما يُقال: " اذا انتفى المُسبّب انتفي السبب".

كذلك، ومن الجانب الآخر، مكّن مشروع الوثيقة الدستورية قوى الحرية والتغيير من حصولها على برلمان قوي ذو سلطات واسعة وفي كل شي، خلاف الاجهزة الامنية واتفاقاتها الخارجية، وباغلبية كبيرة لها فيه، والتي هي في امسّ الحاجة لهكذا برلمان لتستطيع القيام بعملية التغيير المنشود، وذلك بداية بتفكيك الدولة العميقة ووضع اسس البناء الوطني.

بناءً عليه، يبدو واضحا ان مشروع الوثيقة الدستورية قد أفلح، بقدر كبير، في ايجاد المعادلة اللازمة التي تحقق: تقديم ما يزيل مخاوف المجلس العسكري بضماناته اللازمة وبرلمان ذو سلطات تشريعية واسعة تحظى فيه قوى التغيير باغلبية الثلثين، وهو ما يؤشر إلى أن المفاوضات القادمة، والاخيرة، بين الطرفين لن تأخذ وقتا طويلا، وسيُوقّعان على الوثيقة، ربما بعد ادخال بعض التعديلات الطفيفة عليها، وهذا بالطبع حال ان استمرت الامور على ما هي عليه، ودون حدوث أي مستجدات غير مُتوقعة في الساحة السياسية حتى لحظة بداية المفاوضات.

Pin It